طنجة : أكاديميون وسياسيون يقاربون موضوع الشباب والتنموذج التنموي الجديد
احتضن المركز الثقافي أحمد بوكماخ بطنجة، مساء يوم السبت 07 مارس 2020 مناظرة جهوية للمجتمع المدني حول “الشباب والنموذج الجديد للتنمية” من تنظيم مؤسسة طنجة الكبرى للشباب والديمقراطية.
اللقاء عرف حضور ثلة من الأساتذة والأكاديميين وهم الدكتور محمد العمراني بوخبزة عميد كلية الحقوق بتطوان وممثل عن اللجنة الخاصة بإعداد النموذج التنموي الجديد، والدكتورة سعيدة العثماني استاذة بكلية الحقوق بطنجة والسيد عادل بن حمزو نائب بلرماني سابق والسيدة شرافات افيلال كاتبة دولة سابقة بتيسير من الإعلامي محمد بورويص، بهدف خلق نقاش عمومي جاد ومسؤول، وعيا بمشاركة الشباب كدعامة أساسية من دعائم المواطنة والديمقراطية للمساهمة في بلورة تصور لنموذج التنمية المنشود.

وتناولت أولى المداخلات سؤال منهجية الاشتغال اللجنة الخاصة بإعداد النموذج التنموي الجديد و إشكالية الخروج بأجوبة، حيث أوضح الدكتور محمد العمراني بوخبزة ممثل عن اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي الجديد، أن خيار الانفتاح هو أبرز آليات اشتغال اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، والذي تؤطره الخطابات و التوجيهات الملكية و أيضا دستور المملكة خاصة في نصوصه المتعلقة بالديمقراطية التشاركية، كما استفادت هذه اللجنة على حد تعبيره من تراكم التجارب و الخبرات من عمل لجان سابقة مع ضرورة عنصر الاجتهاد و ذلك بالنظر لطبيعة موضوع اشتغالها و المدة الزمنية المتاحة أمامها.حيث انفتحت اللجنة بداية على الفاعل الحزبي باعتباره المكون الأساسي في العملية الديمقراطية إحدى أبرز المرتكزات الثابتة لبلادنا، بالإضافة إلى النقابات، و المؤسسات الدستورية، ومؤسسات معينة ارتأت اللجنة ضرورة الإنصات إليها، كما اعتمدت اللجنة آلية التنقل لمختلف جهات المملكة و خاصة المناطق النائية أو ما يعرف بالمغرب العميق للاستماع و التشاور مع مختلف فعاليات المجتمع المدني مع التشديد على الاستماع للمواطن العادي.
هذا بالإضافة إلى الانفتاح على الخبراء في شتى المجالات التي تشتغل عليها اللجنة و تعتبرها مداخل أساسية مبرزا أن النموذج التنموي ليس وثيقة تقنية يتم اعتمادها من مكتب دراسات بل هي خلاصات لتصورات جميع المغاربة، و يجب أن يتملكها كل مغربي، داعيا الشباب و جميع فئات المجتمع المغربي إلى الإسهام في هذه المحطة الحاسمة بمقترحات و حلول و أفكار و ذلك عبر الموقع الالكتروني للجنة مؤكدا أنه سيتم أخذها بعين الاعتبار وهي فرصة وجب اغتنامها اليوم خصوصا في ظل لحظة النمو الديمغرافي بالمغرب حيث يشهد هرم النمو الديمغرافي 65 في المائة من الفئة النشيطة وهي أعلى نسبة يمكن أن يسجلها بلد ما.
أما بخصوص إشكالية تداخل عمل اللجنة مع عمل الأحزاب و مدى التأثير على برامجها المعدة، فقد أكد الدكتور العمراني بوخبزة أن الاحتكام هنا للدستور المغربي الذي يحدد دور و اشتغال كل هيئة و يضبط اختصاصها.
وعرج في معرض كلمته على سؤال التخمة، تخمة التشخيص و تخمة التصورات و المخططات و البرامج الموضوعة على المستويات الترابية الثلاث، محاولا الإجابة على سؤال: لم لم نحقق المراد؟! حيث كشف عن وجود أكثر من سيناريو لصياغة النموذج التنموي، معتبرا أننا لسنا بصدد وصفة سحرية موجودة مسبقا، و إنما في إطار استثمار الذكاء الاجتماعي و التراكمات و المعطيات المسبقة، و أكد أننا بصدد لحظة مفصلية بحاجة ماسة لإبداع الحلول و إن كانت ذات سقف عال، و ضرورة تجنب الركون للحلول السهلة، و مغالبة هيمنة خطاب انعدام الثقة المتفشية بيننا حتى فيم هو آت، كي نستطيع استشراف المستقبل.
أما كاتبة الدولة السابقة، السيدة شرفات أفيلال، فقد أشادت بداية بالمنهجية الانفتاحية والتشاركية المعتمدة من طرف لجنة النموذج التنموي، معتبرة أن عمل هذه اللجنة سيشكل مرجعا استشرافيا يمكن العودة إليه من طرف الأحزاب السياسية، كما أنه يحمل انتظارات وتطلعات جميع المغاربة، لكنها في المقابل حذرت من أن يشكل عمل اللجنة بديلا عن عمل الأحزاب السياسية بمختلف أطيافها وتلاوينها من اليمين إلى اليسار. وأقرت بوجود هوة بين الشباب و الفاعل الحزبي لعوامل و ظروف متداخلة يتحمل فيها الجميع مسؤولية على قدر اختصاصاته و أدواره، مشيرة إلى رداءة الخطابات السياسية من جهة، وتبخيس أدوار الأحزاب السياسية من جهة أخرى، بالرغم أننا نجد في المقابل دستور متقدم بوأها مكانة متميزة وممارسة منتجة، ما يجعلنا أمام محك حقيقي لتجويد العملية السياسية و الخروج من أزمتها.

و استهل الدكتور عادل بن حمزة مداخلته بالحديث عن الثقة داعيا الأحزاب إلى امتلاك الجرأة و الشجاعة الكافية للنقد الذاتي، مستحضرا تجارب مشابهة كالبرازيل وتركيا… والتي عاشت ظاهرة الشيخوخة السياسية لكن الدينامية المتطورة ساهمت في بروز أحزاب جديدة استطاعت في الأخير أن تنقل بلدانها إلى دول رائدة في التنمية، و ذلك عن طريق استثمار الغضب الجماهيري، و التحرر من السلطة المالية الدولية على حد تعبيره.

مضيفا إلى أنه بالاستناد على مؤشرات الثقة نجد أنه 69 في المائة من المواطنين المغاربة ليست لهم الثقة في الأحزاب السياسية، حيث أنه لا يمكن المضي قدما إلى المستقبل دون إجماع وتوافق وطني فالمشاريع الكبرى للدول تصنع بالتوافقات الكبرى، فإفلاس الرأسمال الاجتماعي أدى إلى تطور حلول فردية مما كان سببا في هجرة الأطر والكفاءات المغربية رغم توفرها على ظروف معيشية جيدة بالمغرب،
في نفس السياق تدخلت الدكتورة سعيدة العثماني وهي المتدخلة الرابعة في المناظرة، حيث تحفظت بداية على عبارة “النموذج الجديد” متسائلة إن كنا نملك آخر سابقا؟ معتبرة أن ما كان لدينا لا يعدو أن يكون إلا طرق تدبير، أو مشاريع تنمية أو آليات عمل و مخططات. كما وقفت على إشكالية محورية ألا وهي عدم استمرارية المشاريع التنموية السابقة، وهو الأمر الذي اعتبرته يضاعف في كل مرة من مشاكل و معاناة المغاربة، و سيستدعي في كل مرة إحداث نموذج آخر جديد.

كما أشارت إلى أنه بالرغم من برمجة مجموعة من البرامج إلا أنها لم تستهدف الإنسان و الفئات الهشة خصوصا، مؤكدة في ختام مداخلتها على ضرورة القطع مع الفساد من خلال تفعيل ربط المسؤولية بالمحاسبة من أجل كسب ثقة الشباب في التحركات العمومية، داعية لتجديد النخب على مستوى المؤسسات الدستورية.
هذا وقد فتح باب النقاش أمام الحضور في جولتين حيث طرحت الكثير من المقترحات و الآراء المختلفة، صبت جلها في كيفية تجاوز أعطاب التنمية، والتقليل من الفوارق المجالية وإعادة الثقة لدى المواطنين عموما و الشباب على وجه الخصوص في محاولة لإنضاج النقاش حول مكانة الشباب في هذا النموذج التنموي الجديد؛ هل هو شباب فاعل في هذا النموذج أم مجرد مستقبل؟

كما عبرت بعض المداخلات ومنها مداخلة الدكتور محسن الندوي استاذ زائر بكلية الحقوق بتطوان و رئيس المركز المغربي للدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية عن كون النموذج التنموي هو مشروع الدولة ذو الأولوية وعليها اختيار توجهها بشكل واضح من خلاله كدولة صناعية، أو فلاحية، أو سياحية… الأمر الذي يحتم عليها بناء استراتيجية التحرر من التبعية الاقتصادية بشكل أساسي.

وقبل اختتام اللقاء توجه الدكتور العمراني بوخبزة برسالة إلى الشابات و الشباب، والهيئات المدنية و كل الحضور من أجل المساهمة باقتراحات و توصيات وتصورات و مشاركتها عبر موقع اللجنة الرسمي، مؤكدا التعامل الجاد و المسؤول مع كل تصور ومقترح أو فكرة إيمانا بمقولة “يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر”، و للخروج من دائرة التشخيص إلى فسحة الحلول.