حرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية في المغرب: بين الحماية الدستوريةوالتنظيم القانوني

نعيمة عتماني

0

حرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية في المغرب: بين الحماية الدستورية

والتنظيم القانوني

 

نعيمة عتماني

باحثة مغربية في  تخصص حوار الأديان، رئيسة قسم حوار الثقافات،

مركز الحكمة للدراسات الدينية وحوار الثقافات والحضارات

يعد ضمان حرية المعتقد أحد المرتكزات الأساسية في البناء الدستوري للمملكة المغربية، باعتباره حقا من حقوق الإنسان التي تنهل من المرجعية الكونية، غير أن هذه الحرية لا تقف عند حدود القناعة الفردية، بل تمتد لتشمل ممارسة الشعائر الدينية، وهي ممارسة تظل خاضعة في السياق المغربي لتنظيم مؤسساتي دقيق يوازن بين صون الحقوق الفردية وضمان استقرار النظام العام .وقد تكرس هذا التوجه في دستور2011، لا سيما من خلال تصديره الذي يؤكد انخراط المغرب في المنظومة الكونية لحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا، مع الحفاظ على ثوابته الوطنية الجامعة.

تمثل حرية ممارسة العبادات حقا أساسيا يتمتع به الأفراد في نطاق الموازنة بين ضمان الحرية الدينية وحرية الاعتقاد من جهة، وصون النظام العام والثوابت الدستورية للمملكة من جهة أخرى، ويجسد هذا المبدأ مجالا للتفاعل بين الانفتاح الحقوقي وضوابط السياق المجتمعي والخصوصية المغربية.

ويبرز هذا التوجه بوضوح من خلال الفصل الثالث من الدستور، الذي ينص على أن: “الإسلام دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية”1، وهو ما يعكس مرجعية دستورية قائمة على المزاوجة بين تثبيت الهوية الإسلامية للدولة، وضمان حرية ممارسة الشؤون الدينية.

إن الحرية الدينية في المغرب ليست حقا مطلقا مجردا من الضوابط، بل هي حق دستوري مؤطر يوازن بين متطلبات المنظومة الكونية لحقوق الإنسان وخصوصية الهوية الوطنية.

يتميز النموذج المغربي في هذا السياق بعدم تبنيه مبدأ الفصل بين الدين والدولة، بل يقوم على علاقة تداخل مؤسساتي منظم، حيث تضطلع إمارة المؤمنين بدور محوري في تأطير المجال الديني وضمان استقراره. ويعكس هذا المعطى وظيفة الدولة في حماية “الأمن الروحي” للمجتمع، بما يضمن التوازن بين حرية الأفراد في الاعتقاد، ومتطلبات الحفاظ على وحدة المرجعية الدينية واستقرار المجتمع.

يقوم الفقه الدستوري المغربي على التمييز بين حرية الاعتقاد وحرية ممارسة الشعائر الدينية، لكون الممارسة الفعلية للطقوس تظل خاضعة للتنظيم القانوني.

وفي هذا الصدد يرى محمد ضريف أن خصوصية النموذج المغربي تتجلى في حرص الدولة على التوفيق بين الاعتراف بالتعددية الدينية وبين الإشراف على تنظيم هذا المجال بما يضمن الاستقرار2. مما يؤكد أن ممارسة الحرية الدينية في المغرب لا تنفك عن الإطار المؤسسي الذي ترعاه الدولة. وتتكامل هذه الرؤية السياسية مع الطرح المقاصدي عند أحمد الريسوني أن الحريات، بما فيها الحريات الدينية، تمارس في إطار من الضوابط الشرعية والمقاصدية التي توازن بين حقوق الفرد ومقتضيات المصلحة العامة3.

 وتتلاقى هذه الرؤية الفقهية، سواء في أبعادها الدستورية أو في توجيهاتها الشرعية، مع المعايير الدولية التي تقر بضرورة إخضاع الحريات الدينية لضوابط القانون، مما يجعل القواعد المؤطرة لتدبير الشأن الديني متوافقة في جوهرها مع المنظومة الكونية لحقوق الإنسان، ومتميزة بخصوصيتها في التنزيل.

 وينسجم هذا التوجه مع المبادئ الكبرى التي نص عليها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية؛ إذ تقرر المادة الثامنة عشرة منه حق كل فرد في حرية الفكر والوجدان والدين، بما في ذلك حرية المعتقد وممارسة الشعائر، مع إجازة تقييد هذه الحرية بمقتضى القانون، متى كان ذلك ضرورياً لحماية الأمن العام، أو النظام العام، أو الصحة العامة، أو حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية4.

وتجسيدا لهذه الضوابط على مستوى الممارسة الفعلية، يرتكز التنظيم في السياق المغربي على تخصيص فضاءات محددة للشعائر؛ إذ تتم الممارسة داخل أماكن العبادة المخصصة لها، بما يعكس تصورا مؤسساتيا يميز بين الفضاء الخاص بالعبادة والفضاء العام المشترك. واستنادا إلى ما ورد في التاريخ الدبلوماسي للمغرب لـعبد الهادي التازي، يمكن استنتاج أن التجربة المغربية عرفت قدرا من الاستمرارية التاريخية في تنظيم شؤونها العامة ضمن بنية الدولة، بما يعكس نمطا من التوازن في تدبير المجال العام وضمان استقرار المجتمع5.

 وبذلك، يغدو الفضاء العام مجالا مشتركا يخضع لقواعد تنظيمية تهدف إلى صون السلم الاجتماعي وضمان التعايش، وهو ما يبرر إخضاع بعض مظاهر التعبير الديني لضوابط قانونية، دون المساس بجوهر حرية المعتقد.

فالحرية الدينية في هذا السياق لا تمارس في فراغ، بل ضمن بنية اجتماعية وقانونية تقتضي التوفيق بين الحقوق الفردية ومتطلبات العيش المشترك.

وتكتسي هذه البنية دلالة أعمق عند استحضار البعد والامتداد التاريخي للتعايش الديني بالمغرب، حيث تجسد المكون العبري عبر قرون كرافد أصيل في نسيج الهوية الوطنية، مما أضفى على المجتمع المغربي طابعا تعدديا فريدا. ورغم المتغيرات الديموغرافية التي طبعت القرن العشرين، ظل الحضور الرمزي والثقافي لهذا المكون راسخا، سواء من خلال الروابط المتينة للجالية اليهودية المغربية بالخارج، أو عبر المجهود المؤسساتي الرسمي في صيانة التراث العبري وترميم معالمه التاريخية. إن هذا الانخراط الرسمي في حماية الموروث الديني، والاعتراف الدستوري بالمكون العبري، يتجاوز البعد الحمائي للتراث ليصبح تعبيرا عن رؤية دولة تضع التعدد الديني في صلب مكونات هويتها الوطنية المتعددة الروافد.

وتأسيسا على ما سبق، يظهر أن حرية المعتقد في المغرب ليست مجرد مبدأ قانوني مجرد، بل هي نتاج تفاعل حي بين نص دستوري منفتح، وممارسة مؤسساتية منظمة، وامتداد تاريخي. فهي حرية “مضمونة ومؤطرة” في آن واحد، تستمد مشروعيتها من عمق تاريخي للتعدد، ومن آليات قانونية تهدف إلى تحقيق التوازن بين الحقوق الفردية واستقرار المجتمع. إن هذه التجربة بمرجعيتها المؤسساتية المتينة ورصيدها التاريخي في التعايش تعكس رؤية نسقية متكاملة تزاوج بين الاعتراف بالحق في الاعتقاد وبين صون النظام العام؛ وهو ما يجعل من التعايش الديني خيارا دستوريا ومؤسسيا.

وبذلك، يكتسي الجمع بين الالتزام بالمعايير الكونية لحقوق الإنسان والحفاظ على الخصوصية الثقافية والشرعية للمملكة راهنية متجددة، ليغدو النموذج المغربي مرجعا في فهم كيفية تحويل التعددية الدينية من مصدر للتجاذبات إلى رافعة للسلم الاجتماعي والوحدة الوطنية.

المراجع

1  دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الفصل 3.

2 محمد ضريف، الدين والسياسة في المغرب: من سؤال العلاقة إلى سؤال الاستتباع، منشورات المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي، الدار البيضاء، 2000.

3 أحمد الريسوني، مقالات في الحرية، دار الكلمة للنشر والتوزيع، القاهرة، 2014م.

4 العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب قرارها رقم 2200 (د-21) المؤرخ في 16 ديسمبر 1966.

5 عبد الهادي التازي، التاريخ الدبلوماسي للمغرب من أقدم العصور إلى اليوم، مطبعة فضالة، المحمدية، 1986–1988.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.