بين بكين وواشنطن: هل تمهّد زيارة ترامب إلى الصين لصفقة كبرى أم أنها مجرد هدنة عابرة؟

دكتور جمال أيت لعضام

0

 

بين بكين وواشنطن: هل تمهّد زيارة ترامب إلى الصين لصفقة كبرى أم أنها مجرد هدنة عابرة؟

 

دكتور جمال أيت لعضام

أستاذ العلاقات الدولية و القانون الدولي

مركز العلاقات الدولية والشؤون الخارجية

بجامعة جلين، تشانتونغ الصينية

 

 

في خضم واقع دولي يعج بالتعقيد وعدم اليقين، تأتي زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الصين لتأخذ طابعا يتجاوز كونها محطة دبلوماسية عادية، إنها تبدو حدثًا سياسيًا استثنائيًا يعكس أبعادًا عميقة لتحولات النظام الدولي وتوازناته. فلم تعد العلاقات بين الولايات المتحدة والصين مُجرّد ساحة للتنافس الاقتصادي أو نزاعًا ينحصر في الرسوم الجمركية والتكنولوجيا،  بل اتخذت هذه العلاقة أبعادًا أوسع وأشد عمقًا، لتتحول إلى صراع حول قيادة العالم وإعادة تشكيل ملامح خارطة القوى الدولية.

الأهمية الحقيقية لهذه الزيارة لا تكمن فقط في توقيتها، بل تمتد لتشمل طبيعة السياق الدولي الذي تحدث فيه، خصوصًا مع تصاعد التوترات العسكرية الناتجة عن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وازدياد المخاوف من احتمال تصعيد إقليمي قد يعيد صياغة توازنات القوى في الشرق الأوسط وآسيا معا، بناءً على ذلك، يمكن النظر إلى زيارة ترامب إلى بكين كتحرك مزدوج الأهداف:  فمن جهة، تهدف إلى تخفيف حدة التوتر مع الصين، ومن جهة أخرى، تسعى لاستكشاف حلول سياسية لأزمة دولية تلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي بأسره.

لماذا اختارت واشنطن هذا التوقيت لزيارة الصين؟

 تدرك إدارة ترامب أن الانخراط في مواجهة طويلة الأمد في منطقة الشرق الأوسط، خاصة مع إيران،  يمكن أن تترتب عليه تداعيات خطيرة تؤثر على الاقتصاد العالمي وسوق الطاقة الدولية، بالإضافة إلى الإضرار بسلاسل الإمداد التي تعتمد عليها العديد من الشركات الأمريكية، وفي ظل هذه الحسابات، باتت واشنطن واعية بأن التصعيد مع إيران،  بالتزامن مع استمرار التوترات مع كل من الصين وروسيا، قد يضع الولايات المتحدة أمام سيناريو استنزاف متعدد الجبهات، سواء استراتيجياً أو عسكرياً.

في هذا السياق، تبدو زيارة ترامب إلى الصين أقرب إلى “دبلوماسية الحاجة” أكثر منها “دبلوماسية الثقة”. فالبيت الأبيض يدرك تماماً أن بكين أصبحت لاعباً لا يمكن تجاهله في أي تسوية رئيسية على الساحة الدولية، سواء كانت مرتبطة بإيران، أو بالطاقة، أو التجارة، أو حتى الأمن البحري في منطقة الخليج.

 من ناحية أخرى، ترى الصين في الظروف الراهنة فرصة ذهبية لتعزيز مكانتها كقوة عالمية ذات مسؤولية قادرة على القيام بدور الوسيط الدولي، خاصة بعد نجاحها في تحقيق تقارب إيراني سعودي سابقاً. لذا، قد تسعى بكين لاستغلال زيارة ترامب لإبراز نفسها كوسيط يحقق التوازن على الساحة الدولية، بدلاً من الظهور كخصم مباشر للولايات المتحدة.

ماذا تسعى الصين لتحقيقه من هذه الزيارة؟

وزارة الخارجية الصينية تنظر إلى الزيارة من منظور أوسع يتخطى حدود العلاقات الثنائية المباشرة، حيث تتعامل الصين برؤية استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى “إعادة تشكيل النظام الدولي”  بدلاً من الاكتفاء بمعالجة أزمات تحدث على المدى القريب، خلال هذا اللقاء، من المتوقع أن تطرح بكين عددًا من القضايا المحورية التي تعكس مصالحها الاستراتيجية والتي تتلخص بالتالي:

أولاً: معارضة عسكرة الصراع مع إيران

 تعتمد الصين بشكل كبير على استقرار منطقة الشرق الأوسط لضمان أمنها الطاقي، وأي تصعيد عسكري كبير ضد إيران يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط،  ما سيُعقد وضع الاقتصاد الصيني، خاصة في ظل التباطؤ الاقتصادي العالمي الحالي. بناءً عليه، يُرجح أن تمارس الصين ضغوطًا باتجاه تحقيق تسوية سياسية، أو على الأقل منع تصاعد الأزمة إلى مستوى الحرب الإقليمية. هذا التوجه لا ينبع فقط من دعم إيران، بل من حرص الصين على حماية النظام التجاري العالمي الذي تستفيد منه بشكل كبير باعتباره جزءًا أساسيًا من نهجها البراغماتي في السياسة الخارجية.

ثانياً: استعادة زخم التفاهمات الاقتصادية

 رغم التوتر المتزايد بين واشنطن وبكين، لايزال الاقتصادين الأمريكي والصيني مترابطين بشكل وثيق، فالشركات الأمريكية بحاجة إلى السوق الصينية الضخمة، بالمقابل تستفيد الصين من التكنولوجيا والأسواق الغربية. لذلك، قد تتطلع بكين خلال هذه الزيارة إلى تحقيق تقدم في عدد من المجالات، منها:

–         تخفيف القيود التجارية الأمريكية.

–          تقليص العقوبات المفروضة على التكنولوجيا والرقائق الإلكترونية.

–          تخفيف الضغوط على الشركات الصينية.

–          الحيلولة دون تعمق “الحرب الاقتصادية” التي قد تقود إلى قطيعة كاملة.

 ثالثاً: أسلوب التعامل مع قضية تايوان

 ستبقى تايوان القضية الأكثر حساسية بالنسبة للصين،  والتي لن تتردد في استخدامها كورقة ضغط خلال هذه الزيارة.

من المحتمل أن تؤكد بكين بأن أي محاولة أمريكية لاستغلال انشغال الصين بالأزمات الدولية لمصلحتها الخاصة، لن تمر مرور الكرام بلا رد حازم، تدرك بكين أن واشنطن تحاول استغلال قضية تايوان كوسيلة ضغط استراتيجية، لكنها في الوقت ذاته تعلم أن الولايات المتحدة غير مستعدة لخوض مواجهة عسكرية مباشرة معها في آسيا وسط التعقيدات الموجودة في الشرق الأوسط.

هل تريد أمريكا إشراك الصين في خفض التصعيد العسكري مع إيران؟

هذا السيناريو يبدو مرجحًا رغم أنه قد يتم بصورة غير معلنة، فمن المعروف لدى واشنطن أن للصين علاقات اقتصادية وسياسية وطيدة مع إيران، إضافة إلى امتلاكها قنوات حوار أكثر مرونة وفعالية مقارنة بالقوى الغربية. استنادًا إلى ذلك، قد تسعى واشنطن إلى:

–         استعانة غير مباشرة بالصين كوسيط مع طهران.

–          تشجيع الصين على ممارسة نفوذها والضغط على إيران للحد من احتمالات التصعيد العسكري.

–          الحيلولة دون تعزيز تحالف صيني-إيراني-روسي أكثر  تماسكا.

مع ذلك، لدى الصين أولوياتها ولن تتخذ خطوات كهذه بالمجان، ومن المحتمل أن تطالب بمقابل استراتيجي يتمثل في:

–         تخفيف حدة الحرب الاقتصادية.

–          ضمان إعادة توازن العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين.

–         تقليص التواجد العسكري الأمريكي في بحر الصين الجنوبي.

–          ضمان الاعتراف بالصين ليس كدولة تابعة أو منافس فقط، بل كشريك عالمي رئيسي له ثقله.

 يظهر هنا أعمق أبعاد هذه الزيارة، وهو أنها ليست مجرد محاولة لترتيب الأوضاع بشأن إيران أو الشرق الأوسط فحسب، بل خطوة نحو إعادة صياغة العلاقات بين أكبر قوتين عالميتين بما يحفظ مصالح الطرفين ويعيد تشكيل قواعد اللعبة الدولية.

هل يمكن أن تكون تلك الزيارة بداية لمرحلة جديدة تحمل بذور “صفقة كبرى”؟

ربما من المبكر الجزم بذلك،  إلا أن المؤشرات الحالية توحي بأن الولايات المتحدة والصين تسعيان لتجنب تصعيد شامل في العلاقة بينهما. فالواضح أن واشنطن أدركت أن استراتيجية المواجهة المفتوحة مع الصين لم تنجح في عرقلة تقدمها الاقتصادي والتكنولوجي، بينما فهمت بكين أن الانخراط في صدام مباشر مع الولايات المتحدة قد يهدد استقرارها الداخلي ويعرقل نموها الاقتصادي. بناءً على ذلك، يبدو أن هذه الزيارة قد تمهد لدخول الطرفين في مرحلة جديدة تهدف إلى:

–          إدارة التنافس بدلاً من التصعيد.

–          تقديم المفاوضات كبديل للحروب الباردة المباشرة.

–          بناء توازن مصالح مؤقت يرضي الطرفين.

لكن يجب التأكيد أن هذه الديناميكية لا تعني إنهاء الصراع بشكل كامل، حيث إن جذور التنافس بين البلدين تتجاوز المسائل الآنية لتتصل بمسألة أعمق، ألا وهي قيادة النظام الدولي مستقبلاً في إطار صراع على هيمنة النظام العالمي الذي يقترب من التعددية القطبية.

 الشرق الأوسط في قلب التفاهمات الجديدة

 من المثير للاهتمام أن الشرق الأوسط يعود مجدداً إلى صدارة المشهد كساحة لإعادة تشكيل العلاقات بين القوى الكبرى. إذ لم تعد الحرب الأمريكية الإيرانية مجرد أزمة إقليمية، بل أصبحت اختباراً عالمياً لمدى قدرة الولايات المتحدة على فرض رؤيتها منفردة،  مقابل احتمالية لعب الصين دوراً أكثر فاعلية.

 وهنا يبرز سؤال: هل يمكن أن يتحول الشرق الأوسط من ساحة للصراع إلى منصة للتفاوض الأمريكي الصيني؟ في هذا السياق، قد تحاول الصين تسويق نفسها كقوة “استقرار”  مغايرة للصورة الأمريكية التي غالباً ما ترتبط بالتدخلات العسكرية. وهذا يمثل جزءاً من الحرب الناعمة التي يسعى الطرفان من خلالها للحصول على نفوذ عالمي.

الخاتمة

 من الواضح أن زيارة ترامب إلى الصين تتجاوز كونها زيارة بروتوكولية أو سعياً لتحسين العلاقات الثنائية؛ فهي تعكس تحولاً استراتيجياً يدرك فيه الطرف الأمريكي أن النظام العالمي لم يعد أحادي القطبية كما كان بعد الحرب الباردة، بينما تسعى الصين لاستثمار الظروف السياسية العالمية الراهنة لتعزيز موقعها كقوة منافسة على الساحة الدولية. وفي مفارقة ملحوظة، قد تصبح الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، التي كان يُتوقع أن تزيد الانقسام بين القوى الكبرى، سبباً يدفع واشنطن وبكين إلى إعادة فتح قنوات التفاهم ولو بصورة مؤقتة، مما يعكس قدرة الأزمات الدولية على تغيير ديناميكيات العلاقات العالمية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.