بقلم: نوال العرقوبي
طالبة باحثة بسلك الماستر العلاقات الدولية
ماذا يعني أن تكون قوياً في زمن لم تعد فيه القوة تُقاس بالسلاح وحده، بل بالفكرة القادرة على تغيير موازين القوى؟
لم يعد النفوذ اليوم مرتبطاً فقط بالجيوش والاقتصاد، بل بقدرة الدول على التأثير في العقول وصياغة التصورات. ولعل هذا التحول هو ما يجعل مفهوم القوة أكثر تعقيداً، لكنه في الوقت نفسه أكثر ارتباطاً بالعقل.
بعد الحرب الباردة، تحول العالم إلى قرية كونية، ولم تعد القوى العظمى وحدها المتحكم المطلق في العلاقات الدولية. فقد برزت فواعل جديدة، من دول متوسطة الحجم إلى مؤسسات وشعوب، وأصبح تأثيرها يمتد مباشرة إلى الرأي العام العالمي، متجاوزاً القنوات الدبلوماسية التقليدية. ويبدو أن هذا التحول لم يغير فقط موازين القوى، بل أعاد تعريف من يملكها أصلاً.
في هذا السياق، أعادت “القوة الناعمة”—كما صاغها جوزيف ناي، تشكيل مفهوم القوة بشكل جذري. فهي لا تقوم على الإكراه أو الإغراء المادي، بل على الجاذبية:
جاذبية الثقافة، والقيم، والسياسات. وأرى أن هذا النمط من القوة لم يعد مجرد مكمل للقوة الصلبة، بل أصبح في كثير من الحالات شرطاً لفعاليتها.
وبموازاة ذلك، ظهر مفهوم “القوة الذكية”، الذي يجمع بين القوة الناعمة والصلبة. غير أن نجاح هذا التوازن، في تقديري، لا يتحقق إلا عندما يكون الإقناع هو الأساس، لا مجرد أداة مرافقة للضغط.
ضمن هذا التحول، يبرز المغرب كنموذج يعكس كيف يمكن لدولة بإمكانيات محدودة نسبياً أن تبني نفوذاً يتجاوز وزنها التقليدي. فمن خلال تراثه الثقافي الغني ،من الفنون الأندلسية إلى الموسيقى والمطبخ، يُعزز صورته في العالم، ليس فقط كوجهة سياحية، بل كحامل لهوية حضارية متجذرة.
كما يرسخ موقعه كمركز للوسطية الدينية عبر برامجه في تكوين الأئمة، التي تسهم في نشر خطاب ديني قائم على الاعتدال والتسامح خارج حدوده. ولا تقف هذه الجهود عند البعد الثقافي والديني، بل تمتد إلى الدبلوماسية، من خلال مبادراته الإقليمية وشراكاته الإفريقية. وفي تقديري، فإن هذه المقاربة تعكس وعياً متقدماً بطبيعة القوة في عالم اليوم، حتى وإن ظلت نتائجها رهينة بتحديات السياق الدولي.
هكذا، لم تعد القوة مسألة امتلاك، بل مسألة تأثير. ولم يعد السؤال من الأقوى، بل من الأقدر على الإقناع. وفي عصر تتقدم فيه الفكرة على السلاح، يبدو أن المعركة الحقيقية لم تعد في الميدان، بل في الوعي.