الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران وإعادة تشكيل توازنات القوى في الشرق الأوسط

د. محمد عطيف أستاذ العلاقات الدولية بجامعة شعيب الدكالي بالجديدة

0

الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران وإعادة تشكيل توازنات القوى في الشرق الأوسط

د. محمد عطيف أستاذ العلاقات الدولية بجامعة شعيب الدكالي بالجديدة

يشكل التصعيد العسكري الأمريكي–الإسرائيلي ضد إيران لحظة مفصلية في تطور النظام الإقليمي للشرق الأوسط، لأنه ينقل الصراع من مستوى إدارة الردع المتبادل إلى مستوى التأثير المباشر في بنية القوة الإيرانية ذاتها. وبالتأكيد، إن هذا التحول لا يمكن فهمه باعتباره مجرد رد فعل ظرفي، وإنما ينبغي قراءته ضمن سياق تراكمي من التوترات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، وبشبكة التحالفات غير المتماثلة التي نسجتها طهران في المشرق والخليج. كما يمكن القول أيضا، أن منطقة الشرق الأوسط أمام انتقال من سياسة الاحتواء إلى محاولة إعادة ضبط موازين القوى بصورة أكثر جذرية.

ومن زاوية المقاربة الواقعية، يتضح من خلال هذا السلوك، أن منطق منع انتقال القوة داخل بنية إقليمية تتسم بعدم الاستقرار، بحيث عندما تقترب دولة من امتلاك عناصر ردع استراتيجية يمكن أن تغير قواعد اللعبة، تميل القوى المنافسة إلى توظيف تفوقها العسكري لإبقاء التوازن في حدود يمكن التحكم فيها. هنا يبرز مفهوم “التوازن ضد التهديد”، حيث لا ينظر إلى إيران فقط كفاعل إقليمي مزعج، بل كقوة محتملة قادرة على إعادة تعريف معادلات الردع في المنطقة إذا ما اكتملت قدراتها النووية والصاروخية.

في المقابل، جاء الرد الإيراني في إطار حرب غير متكافئة تسعى إلى تعويض الفجوة في القدرات التقليدية. وذلك من خلال استهداف المصالح الأمريكية وقواعدها في الخليج بهدف توسيع نطاق الكلفة الاستراتيجية للصراع وإدخال أطراف إضافية في معادلة الضغط؛ مما يدل ذلك على أن هذا النمط من السلوك يؤكد أن الردع في الشرق الأوسط لم يعد ثنائيا، بل أصبح شبكيا ومتعدد المستويات، بحيث تتداخل فيه الدولة والوكلاء والمجال البحري وأمن الطاقة.

وعلى المستوى الإقليمي، تطرح التطورات الراهنة احتمالين متوازيين؛ إما إعادة هيكلة التوازن لصالح محور أمني أكثر تماسكا تقوده الولايات المتحدة وتدعمه قوى إقليمية، أو انزلاق المنطقة إلى حالة سيولة استراتيجية نتيجة أي فراغ محتمل في مركز القرار الإيراني،  لأن التاريخ المقارن للنظم الإقليمية يظهر أن لحظات إعادة الضبط الكبرى كثيرا ما تحمل في طياتها مخاطر عدم اليقين، خصوصا إذا لم تتوافر ترتيبات سياسية مرافقة للنتائج العسكرية.

والملاحظ كذلك، أنه لا يكفي التفوق العسكري لإنتاج استقرار دائم، لأن إعادة تشكيل ميزان القوى قد تمنع تهديدا آنيا، لكنها لا تعالج جذور الصراع المرتبطة بالأمن، والهوية، وتوزيع النفوذ. ومن ثم، فإن مستقبل الشرق الأوسط سيتوقف على قدرة الفاعلين على الانتقال من منطق إدارة الأزمات بالقوة إلى بناء إطار أمني أكثر شمولا، يحد من ديناميات التصعيد المتكرر ويؤسس لتوازن قابل للاستدامة.

وفي هذا السياق، يمكن استشراف احتمال أول يتمثل في تكريس نمط من الردع المعاد ضبطه، بحيث تنتهي المواجهة إلى إعادة ترسيم خطوط حمراء جديدة دون انهيار شامل للنظام الإقليمي. هذا السيناريو يفترض أن الضربات العسكرية تحقق أهدافا محدودة تتعلق بإضعاف قدرات بعينها، دون السعي إلى تغيير النظام أو تفكيك الدولة الإيرانية ، بما يسمح بعودة تدريجية إلى منطق التفاوض غير المباشر تحت سقف توازن قوة معدل. في هذه الحالة، قد نشهد مرحلة من “الاستقرار الهش” يقوم على الردع المتبادل المشدد، مع ارتفاع دائم في منسوب العسكرة.

أما الاحتمال الثاني، فيرتبط بتدحرج الصراع نحو توسع جغرافي ووظيفي، سواء عبر انخراط فواعل إقليمية إضافية أو عبر استهداف ممرات الطاقة والتجارة الدولية، وهو ما قد يحول المواجهة إلى أزمة نظام إقليمي مفتوحة. وبطبيعة الحالة هذا المسار لا يعني بالضرورة حربا شاملة تقليدية، لكنه قد يفضي إلى تفكيك قواعد الاشتباك القائمة وإلى إعادة اصطفاف التحالفات بصورة أكثر حدة واستقطابا، بما يطيل أمد عدم اليقين ويجعل كلفة إعادة بناء توازن مستقر أكثر تعقيدا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.