لجنة السلام و الأمن الدولي بالمعهد الدولي بجنيف تنظم ندوة حول موضوع الامن الاقتصادي العربي
لجنة السلام والأمن الدولي
تقرير حول تنظيم ندوة فكرية حول موضوع: “الأمن الاقتصادي العربي: الواقع والتحديات”
الثلاثاء 16 دجنبر 2025
نظمت لجنة السلام والأمن الدولي التابعة للمعهد الدولي العربي للسلام والتربية، ذي الصفة الاستشارية في الأمم المتحدة، ندوة فكرية عن بعد تحت عنوان “الأمن الاقتصادي العربي: الواقع والتحديات”، وذلك يوم الثلاثاء 16 دجنبر 2025 ، تناولت أبرز قضايا السلام والأمن في الوطن العربي، مع التركيز على البعد الاقتصادي في ظل التحولات الدولية والإقليمية المتسارعة. وتأتي هذه الندوة في إطار رؤية فكرية تسعى لتعميق النقاش العلمي الرصين حول بناء الأمن الاقتصادي ضمن إطار العمل العربي المشترك، وتشكل جزءًا من سلسلة مبادرات أكاديمية تهدف إلى تعزيز المقاربة العلمية في معالجة قضايا الأمن الشامل.
افتتح الندوة الأستاذ الدكتور محمد أمين أبو الرب، رئيس المعهد الدولي العربي للسلام والتربية، بجنيف و وقام بإدارة الندوة الأستاذ الدكتور محسن الندوي، رئيس لجنة السلام والأمن الدولي، ورئيس المركز المغربي للدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية.
مؤكدين على أن مهام اللجنة تتمثل في استشراف التحولات العالمية، وتقديم رؤى عملية تسهم في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي والدولي. وقد شهدت الندوة مداخلات علمية مركزة، استهدفت مقاربات متعددة لتعزيز الأمن الاقتصادي والفكري والاجتماعي في المنطقة العربية.

قدّم الأستاذ الدكتور حسن عبد الله الدعجه أستاذ العلوم السياسية بجامعة الحسين بن طلال الأردن، عضو لجنة السلام والأمن الدولي، مداخلة تحت عنوان “نظرية الأمن الفكري”، مستعرضًا تصورا للأمن الفكري يقوم على اعتبار الفكر الإنساني المحرك الأساسي للسلوك الفردي والجماعي، وأن أي انحراف فكري قد يؤدي إلى اضطرابات سلوكية تهدد أمن الفرد والمجتمع والدولة. وانطلق من مقاربة وقائية تهدف إلى بناء مجتمع آمن ومستقر عبر حماية الوعي من التطرف والتعصب والانغلاق الفكري، مؤسسًا بذلك الأمن الفكري على تنظيم رشيد للفكر بدل الاعتماد على قمع حرية الرأي. يجب أن تمارس حرية التفكير ضمن إطار يحترم القيم الدينية والوطنية والإنسانية، ويصون الهوية الثقافية، ويحول دون انتشار الأفكار الهدامة التي تحرض على العنف والكراهية، مع التأكيد على أهمية الاعتدال والحوار وقبول الاختلاف كركائز لتحقيق الاستقرار الفكري.
كما أكد الباحث أن نظرية الأمن الفكري تنطلق من أن الفكر الإنساني هو المحرك الأساس للسلوك الفردي والجماعي، وأن أي انحراف فكري يشكل مدخلًا مباشرًا لزعزعة الأمن والاستقرار. فحماية الوعي من التطرف والانغلاق تسهم في بناء بيئة مجتمعية مستقرة، تُعد شرطًا جوهريًا لتحقيق التنمية.ويُعد الأمن الفكري قاعدة للأمن الشامل، إذ يعزز التماسك الاجتماعي، ويحصّن الهوية الوطنية، ويمنع انتقال الصراعات من المجال الفكري إلى العنف والسلوك الهدام. ومع توافر الأمن والاستقرار، تتوافر البيئة الآمنة للأمن الاقتصادي ، والإنتاج، والتنمية المستدامة.
وعليه، فإن العلاقة بين الأمن الفكري والتنمية علاقة تكاملية؛ فلا تنمية دون أمن واستقرار، ولا أمن واستقرار دون وعي فكري رشيد قائم على الاعتدال، والحوار، واحترام القيم الوطنية والإنسانية.
من جانبها، قدمت الدكتورة نعيمة عتماني، رئيسة قسم حوار الثقافات بمركز الحكمة للدراسات الدينية وحوار الثقافات، وأستاذة زائرة بجامعة السلطان مولاي سليمان بني ملال، عضو لجنة السلام والأمن الدولي ، مداخلة بعنوان “الأمن الاقتصادي العربي والأمن الغذائي: مقاربة تكاملية لتحقيق التنمية المستدامة”.
انطلقت فيها من فكرة أساسية، مفادها أن الأمن الغذائي يشكّل ركيزة بنيوية للأمن الاقتصادي العربي، وأن أي اختلال في هذا الجانب ينعكس مباشرة على استقرار المجتمعات وقدرتها على تحقيق التنمية المستدامة. لا سيما في ظل التحولات الدولية المتسارعة، وتصاعد الأزمات الاقتصادية العالمية، والآثار المتزايدة للتغيرات المناخية، إلى جانب التوترات الجيوسياسية التي أدت إلى تفاقم هشاشة الأمن الغذائي في عدد من الدول العربية، خصوصًا تلك التي تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات الغذائية. ومن ثم أصبح الأمن الغذائي مسألة مركزية ضمن أطر الأمن الاقتصادي والإنساني في المنطقة.
وأوضحت المداخلة أن الأمن الاقتصادي مفهوم متعدد الأبعاد، لا يقتصر على مؤشرات النمو والدخل القومي، بل يشمل قدرة الدولة والمجتمع على ضمان سبل العيش الكريمة، وتأمين الموارد الاستراتيجية، والحد من الفوارق الاجتماعية، وبناء شبكات أمان قادرة على امتصاص الصدمات الاقتصادية والغذائية. وفي هذا السياق، يُعد الأمن الغذائي أحد الأعمدة الأساسية للأمن الاقتصادي، نظرًا لتأثيره المباشر على القدرة الشرائية للأسر، والتوازنات المالية العمومية، والاستقرار الاجتماعي والسياسي.
وتقوم مقاربة الأمن الغذائي على أربعة أركان رئيسية: الإتاحة، والوصول، والاستخدام، والاستقرار، مما يجعلها قضية مركبة تتجاوز إنتاج الغذاء لتشمل قضايا التوزيع، وجودة الغذاء، واستدامة سلاسل الإمداد. وأي اختلال في هذه الأبعاد يزيد من هشاشة الاقتصاد، ويعزز معدلات الفقر، ويزيد الضغوط على الميزانيات العامة، خصوصًا في الدول العربية ذات القدرات الإنتاجية المحدودة والمنظومات الغذائية غير المتكاملة.
واستعرضت المداخلة العوامل البنيوية المؤثرة في أزمة الأمن الغذائي، بما في ذلك الصراعات الجيوسياسية التي تعرقل سلاسل التوريد، والتغيرات المناخية المؤثرة على الإنتاج الزراعي، وضعف الحوكمة الغذائية الدولية، ومحدودية التنسيق الجماعي، مما يزيد هشاشة الاقتصاد العربي ويعمّق أثر الأزمات. وفي ظل ضعف الاستجابة الدولية، سلطت الضوء على الحاجة لمقاربة عربية تكاملية، تقوم على تعزيز القدرات الذاتية، وبناء منظومات غذائية قادرة على الصمود، وربط الأمن الغذائي باستراتيجيات التنمية المستدامة والاستقرار الاقتصادي.
أما المداخلة الثالثة، تخص الأستاذ الدكتور نسيم بلهول أستاذ العلوم السياسية بجامعة البليدة الجزائر، عضو لجنة السلام والأمن الدولي ،بعنوان “الجغرافيا لم تعد تكفي: الدولة العربية في زمن الارتياب الإقليمي”، والتي تناولت تراجع مركزية الجغرافيا في تفسير قوة الدولة العربية ومكانتها، في ظل تحولات إقليمية ودولية عميقة جعلت الموقع والحدود وحدها غير كافية لضمان الأمن أو النفوذ. مع تأكيد المداخلة على أن قوة الدولة أصبحت مرتبطة برؤيتها الاستراتيجية، وشرعيتها المتجددة، وقدرتها المؤسسية على التكيّف مع واقع تتآكل فيه اليقينيات وتتنامى فيه الشكوك.
وجرى تشخيص المرحلة الإقليمية الراهنة عبر ثلاث سمات رئيسية: سيولة التحالفات، وتآكل الثقة بين الدول وداخل المجتمعات، وتداخل الأبعاد الأمنية والاقتصادية والهوياتية، وهو ما أنتج حالة من “الارتياب الإقليمي”، تتسم بالشك في النوايا، وهشاشة الشراكات، والتساؤل حول قدرة الدولة على الاستمرار كفاعل مركزي منتج للأمن والمعنى.
كما أبرزت المداخلة تحول مفهوم السيادة والقوة، حيث لم تعد تقتصر على السيطرة على الأرض أو الانتشار العسكري، بل أصبحت تتعلق بالقدرة على اتخاذ القرار المستقل، وإنتاج الأمن بدلاً من استهلاكه، وإدارة التنوع بدلاً من قمعه. وفي هذا السياق، تبقى الدولة التي تمتلك جغرافيا دون مشروع استراتيجي عرضة للارتباك في لحظات الأزمات، إذ تمنح الجغرافيا الإمكان، بينما يمنح المشروع المعنى والاتجاه.
وتعمّقت حالة الارتياب بفعل أسباب بنيوية، أبرزها تراجع المظلة الدولية التقليدية، وصعود قوى إقليمية غير عربية ذات مشاريع نفوذ واضحة، إلى جانب تحول طبيعة الصراعات إلى أنماط هجينة تتداخل فيها الأدوات العسكرية والإعلامية والاقتصادية والرمزية. وفي المحصلة، يفتح زمن الارتياب، رغم حدته، أفقًا لإعادة تعريف الدولة العربية بوصفها دولة مبادرة، قادرة على بناء شراكات ذكية، وتحقيق توازن في علاقاتها الخارجية، واستثمار الجغرافيا كرافعة استراتيجية، بما يتيح الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الفعل وصناعة المستقبل.
وختمت الندوة الفكرية بتقديم مدير الندوة الأستاذ الدكتور محسن الندوي رئيس لجنة السلام والأمن الدولي عدة توصيات يمكن إجمالها فيما يلي :
-
الأمن الفكري يمثل ركيزة أساسية للأمن الشامل، ويتطلب تعاون الدولة، والمؤسسات التعليمية، والثقافية، والدينية، والأسرة.
-
الأمن الغذائي يجب أن يُعالج كمكون جوهري للأمن الاقتصادي، عبر مقاربة عربية تكاملية تعزز القدرات الذاتية وتربط بين التنمية الاقتصادية والاستدامة.
-
تجديد مفهوم الدولة العربية ليصبح فاعلًا استراتيجيًا قادرًا على إدارة الأزمات وتحويل الجغرافيا إلى رافعة للتنمية، مع تعزيز الشراكات الإقليمية والدولية.
-
ضرورة تبني سياسات عربية مشتركة لمواجهة التحديات الاقتصادية والجيوسياسية والمناخية، بما يعزز الأمن الاقتصادي والاجتماعي في المنطقة.
-
– إستغلال الموارد المائية سواء باقامة السدود والخزانات و شق القنوات واستعمال أحدث الطرق و الوسائل في الري.
-
– استغلال الطاقات العربية استغلالاً عقلانيا وإيقاف نزيف هجرة اليد العاملة.
-
-ضرورة الاستثمار في القطاع الزراعي خصوصا في البلاد العربية التي تتوفر على مساحات شاسعة لم يتم استغلالها بالشكل المطلوب.
-
– تمتين التعاون الإقليمي بين البلدان العربية، استناداً إلى الميزات النسبية في الموارد الزراعية ورأس المال القابل للاستثمار.
-
-تخصيص استثمارات إضافية للبحث العلمي وبرامج التطوير، عن طريق دعمها بموارد مالية مناسبة.