إفريقيا في أجندة ترامب في ظل التنافس الدولي

د.محسن الندوي

0

إفريقيا في أجندة ترامب في ظل التنافس الدولي

 

د.محسن الندوي

رئيس المركز المغربي للدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية

 

تحوّلت أفريقيا خلال العقود الأخيرة إلى ساحة تنافس دولي متصاعد حول النفوذ والموارد، وكانت الولايات المتحدة أحد أبرز الفاعلين فيها منذ نهاية الحرب الباردة. لكن صعود دونالد ترامب، بسياساته الانعزالية والانتقائية، أدى إلى تراجع الاهتمام الأميركي بالقارة، مقابل تركيز أكبر على نصف الكرة الغربي وآسيا والمحيط الهادئ.

إن القارة الافريقية لم تعتبر إفريقيا أولوية واضحة في بداية عهد ترامب، إلا أن الإدارة الأمريكية زادت من نشاطها في القارة، مع التركيز حسب وثيقة الامن القومي الأمريكي الصادرة في نوفمبر 2025 على مواجهة النفوذ الروسي خصوصا الجماعات شبه العسكرية ، و التعامل مع التوسع الاقتصادي الصيني، وإطلاق مبادرات لتعزيز المصالح الأمريكية الاقتصادية والجيوسياسية.

في هذا الصدد، أصبح معيار الشراكة هو القدرة على تقديم منفعة مباشرة لواشنطن تحت قيادة ترامب، وليس الصداقة أو التعاون. إلا أن تطبيق هذا النهج على ما يبدو  قد جاء حاليًا في سياق تقليص الدعم المالي، وليس تطوير نموذج تنموي تحرري ذاتي فعلي.لذلك، تحوّلت السياسة الأميركية تجاه القارة الأفريقية إلى نهج يقوم على تغليب العلاقات الثنائية مع دول غنية بالمعادن والموارد الحيوية على النهج الجماعي مع تهميش المؤسسات القارية وتحديدًا الاتحاد الأفريقي. وقد ظهر ذلك جليا في اجتماع ترامب مع قادة خمس دول أفريقية في يوليو2025، وهي الغابون، غينيا-بيساو، ليبيريا، موريتانيا، والسنغال.هذه الدول التي لا تعتبر قوى رئيسية من حيث حجم التجارة مع الولايات المتحدة الأمريكية، مقابل شركاء تقليديين مثل نيجريا، جنوب إفريقيا، لكنها تمتلك موارد طبيعية هائلة غير مستغلة، وهو ما يعزز رؤية ترامب بتفعيل شعار أمريكا أولا.

فاتخاذ الإدارة الأمريكية إجراءات قد تكون أضرت بمصالح الشركاء التقليدين في إفريقيا على سبيل المثال اتهام نيجيريا باضطهاد المسيحيين وتهديدات ترامب بالتدخل العسكري لحمايتهم، التلويح بعقوبات على الدول التي تسمح بتسهيل النشاط الروسي، سياسة الترحيل والضغط على بعض دول القارة لقبول المهاجرين المبعدين من الأراضي الأميركية،  تهديد الصوماليين الأميركيين وخطاباته العنصرية تجاههم، إلى جانب خفض المساعدات عبر “USAID”، ما أثر على برامج إنسانية وتنموية واسعة تضررت منها عدة دول ومجتمعات أفريقية.حيث دفعت هذه الإجراءات بشكل متزايد العديد من الدول الأفريقية إلى تعزيز علاقاتها مع روسيا والصين، اللتين توفران بدائل سياسية واقتصادية أقل اشتراطًا وأكثر احترامًا للآخرين.

ورغم أن الإدارة الأمريكية شددت على أن المساعدات لم تعد محور السياسة الأميركية، تحت شعار “التجارة لا المساعدات”. تواجه إدارة ترامب انتقادات متزايدة بسبب السياسات المتناقضة التي تنهجها وأبرزها فرض رسوم جمركية مقترحة على صادرات أفريقية قد تصل إلى 50٪، وقيود تأشيرات تُعيق حركة رجال الأعمال والمسؤولين من غرب إفريقيا. هذه الإجراءات تخلق حالة من الشك لدى الدول الأفريقية حول جدية الولايات المتحدة في إقامة شراكة متكافئة. في ظل هذا المشهد، واصلت الصين تعزيز حضورها في أفريقيا، حيث بلغ حجم تجارتها مع القارة خمسة أضعاف حجم التجارة مع الولايات المتحدة.فضلا عن إعلان بكين إعفاءات جمركية جديدة للدول الأفريقية، ما زاد من جاذبية شراكتها الاقتصادية مقارنة بالنهج الأميركي القائم على العقوبات والرسوم.

وبخصوص التنافس الجيواستراتيجي، وفي ضوء السياسة الأمريكية الجديدة، وبالرجوع إلى وثيقة الأمن القومي الأمريكي التي تركز على أن آسيا كميدان أساسي للمواجهة مع الصين، ما يعني أن التنافس الأميركي–الصيني في أفريقيا سيتركّز غالبًا حول الحصول على الموارد الحيوية.كما يبدو أن خيار الامتناع الأميركي عن التدخل المباشر في قضايا القارة  الإفريقية و اعتماد سياسة الانتقاء في الانخراط في قضايا القارة الأفريقية سيكون هو الخيار الأرجح، عبر وكلاء إقليميين يخدمون مصالحها بأقل تكلفة ممكنة ومن دون انخراط مباشر أو التزامات طويلة الأمد. مع التركيز على استمرار استهداف الجماعات الإرهابية في القارة الأفريقية، ما يعني بقاء التركيز على مناطق ستكون أكثر تعرضًا لتهديد هذه الجماعات كما في الساحل والقرن الأفريقي .

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.