هل باشر محور المقاومة هجوماً مضاداً متدرجاً ضد أمريكا و»إسرائيل»؟

عصام نعمان

0

عصام نعمان*

مذّ وطأت قدماه عتبة البيت الأبيض، يشنّ دونالد ترامب هجوماً واسعاً متعدد الأشكال في مختلف مناطق العالم، من أجل استعادة ما يسميه «عظمة أمريكا». هجوم ترامب العالمي سياسي واقتصادي وتجاري وأمني و.. إرهابي. إن نظرة سريعة على المشهد العالمي كافية لملاحظة الكثير من هجمات ترامب المتصاعدة.
أولى هجمات ترامب وأقساها إخراج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران وإعادة فرض عقوبات اقتصادية عليها. أخيرتها، وليس آخرها، وجبة عقوبات جديدة واسعة فرضها الرئيس الأمريكي ضد صناعات التعدين والصلب الإيرانية، بعد إعلانه العزم على تصفير تصدير النفط الإيراني وإلغاء «إعفاءات» لاستيراده كان منحها لثماني دول كبرى بينها الصين والهند واليابان. سبقت هذه التدابير العقابية وأعقبتها عقوبات اقتصادية فرضها ترامب على روسيا، ورسوماً جمركية فرضها على صادرات الصين، وتهديدات أطلقها ضد المصارف والمستثمرين والشركات في دول الإتحاد الاوروبي المتعاملة مع ما يعرف باسم «آلية الغرض الخاص»، وهي نظام تدعمه أوروبا لتسهيل التجارة غير الدولارية مع إيران والالتفاف على العقوبات.
في مقابل العقوبات المفروضة عليها، أعلنت إيران بقرارٍ من مجلسها الأعلى للأمن القومي، اعتزامها وقف الحدّ من مخزونها من المياه الثقيلة والأورانيوم المخصّب الذي كانت تعهدت به بموجب الاتفاق النووي، الذي فرض قيوداً على أنشطتها النووية. وقد أمهل المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني دول الاتحاد الأوروبي التي كانت أعطت طهران ضمانات تسمح لها بالالتفاف على العقوبات الأمريكية، أمهلها 60 يوماً كي تجعل «تعهداتها عملانية، خصوصاً في مجاليّ النفط والمصارف» وذلك تحت طائلة وقف المحدِّدات المتعلقة بمستوى تخصيب الأورانيوم والإجراءات المتعلقة بتحديث مفاعل الماء الثقيل في مركز آراك، إذا لم تفِ هذه الدول بتعهداتها قبل انتهاء المهلة المذكورة.

ظاهرُ الحال يشي بأن أمريكا و»إسرائيل» تعتمدان أسلوب الهجوم المتدّرج على إيران وحلفائها

قبل ردّ إيران الصارم على وجبة العقوبات الأمريكية الأخيرة، لوحظ قيام حلفاء طهران في محور المقاومة بسلسلة تحركات وعمليات عسكرية ضد حلفاء الولايات المتحدة في سوريا ولبنان وفلسطين. ما قام به هؤلاء الحلفاء لا يعقل أن يكون قد تمّ من دون تنسيق مسبق مع إيران، وربما مع روسيا أيضاً. فقد شنّ الجيش العربي السوري، بدعمٍ من سلاح الجو الروسي، هجوماً مركّزاً على مواقع «هيئة تحرير الشام» («جبهة النصرة» سابقاً) وحلفائها من الفصائل الإرهابية، استعاد خلاله السيطرة على كامل ريف محافظة حماة، الذي كان خاضعاً لسيطرة المسلحين الإرهابيين المدعومين من تركيا وحتى من الولايات المتحدة.
في لبنان تحدّى أمين عام حزب الله «إسرائيل» أن تدفع بفرقها وألويتها إلى جنوب لبنان، متعهداً «بتدميرها وسحقها أمام شاشات التلفزيون العالمية». في قطاع غزة، ردّت فصائل المقاومة على تحرشات «إسرائيل» العدوانية وامتناعها عن تنفيذ تعهداتها بموجب «التفاهمات» التي سبق التوصل إليها بوساطة مصرية، وذلك بضربات صاروخية مدمّرة طالت مدينة بئر السبع في قلب النقب المحتل، ومدينتي عسقلان وأسدود شمال القطاع، وأوشكت، بحسب الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي زياد نخالة، أن تضرب تل أبيب ذاتها. أكثر من ذلك، نخالة أكدّ، في سياق مقابلةٍ تلفزيونية مع قناة «الميادين»، ثلاثة أمور لافتة: الأول، امتلاك فصائل المقاومة في قطاع غزة القدرة محلياً على تصنيع صواريخ بأمداء متعددة، أحدها صاروخ «بدر 3»، قادرة على ضرب تل أبيب وسائر مناطق «غوش دان» الساحلية، حيث يعيش ويعمل 3 ملايين من اليهود الصهاينة. الأمر الثاني، وجود قناعة لدى القيادة المشتركة لفصائل المقاومة بأن «إسرائيل» تعتزم شن حرب على قطاع غزة، بتحريض من الولايات المتحدة، في محاولة يائسة للسيطرة عليه، كتدبير تمهيدي لتنفيذ ما يسمى «صفقة القرن». الامر الثالث، أن فصائل المقاومة متحدة ومصممة على مواجهة العدوان بقدرات عسكرية متقدمة، وانها قادرة على صدّ الهجمة الصهيونية المرتقبة وإلحاق اضرار بالغة في عمق «إسرائيل».
إذ يرجّح بعض الخبراء العسكريين وجود تنسيق كامل بين أطراف محور المقاومة يتبدّى في المواقف والتدابير السياسية والفنية، ناهيك من العمليات العسكرية التي تجري في ساحات ومواقع متعددة، يظنّ بعضهم الآخر أن الأمر يتجاوز التنسيق إلى وجود خطة لمواجهة الهجوم الصهيوامريكي المحتمل هذا الصيف، بجبهة عريضة متكاملة تنتظمها تدابير ثلاثة: أولها توحيد الجبهات الثلاث من قطاع غزة في جنوب فلسطين إلى الجبهة اللبنانية مقابل شمال فلسطين المحتلة، وصولاً إلى الجبهة السورية مقابل الجولان المحتل شمال شرق فلسطين المحتلة. ثانيها الردّ بشكل متزامن على الاعتداءات الإسرائيلية، من خلال غرفة عمليات مشتركة. ثالثها توسيع دائرة الاشتباك مع «إسرائيل» وأمريكا إذا ما حاولتا الاعتداء مباشرةً، جواً أو بحراً، على إيران أياً كانت الذريعة المعلنة لتبرير العدوان.
ظاهرُ الحال يشي بأن أمريكا و»اسرائيل» تعتمدان أسلوب الهجوم المتدّرج على إيران وحلفائها في محور المقاومة، وأن إيران ولاسيما حلفاءها، يعتمدون الأسلوب المتدرج نفسه في مواجهتهما. هل تتضح الحقيقة في الصيف المقبل؟
كاتب لبناني

المصدر القدس العربي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.