الذكاء الاصطناعي كأداة إستراتيجية في دعم القرار وصياغة السياسات

 د. صفاء عبد الباسط عبد العزيز   

0

الذكاء الاصطناعي كأداة إستراتيجية في دعم القرار وصياغة السياسات

 

 د. صفاء عبد الباسط عبد العزيز                                

باحثة تخصص اقتصاد وسياسة لدي مجلس الوزراء -مصر 

مقدمة

في عصر تتسارع فيه التغيرات العالمية وتزداد فيه التحديات السياسية والاقتصادية تعقيدا، أصبح الاعتماد علي أدوات متقدمة في تحليل البيانات وصياغة السياسات أمرا لا غني عنه ، وهنا يبرز الذكاء الاصطناعي كأحد أهم الابتكارات التي حدثت نقلة نوعية في دعم متخذ القرار وصانعي السياسات ، فهو لا يقتصر علي معالجة كم هائل من البيانات بدقة وسرعة فحسب ، بل يمتلك القدرة علي تقديم رؤي تنبؤية ، واقتراح بدائل استراتيجية ، وتعزيز الشفافية والكفاءة في عملية صنع القرار . وبذلك يشكل الذكاء الاصطناعي جسرا يربط بين المعرفة النظرية والواقع العملي ، ويمنح صانعي القرار أدوات أكثر ذكاء وفاعلية لمواجهة التحديات ،وصياغة سياسات اكثر عدلا واستدامة ومرونة في مواجهة المستقبل .

كما يقدم الذكاء الاصطناعي أدوات قوية لتعزيز صنع القرار في المجال الدبلوماسي والتنبؤ الاقتصادي والتحليل التجاري والحروب والانتخابات. وتؤكد الدراسات الجديدة في مجال الذكاء الاصطناعي أن النماذج التي يحركها تتميز بالدقة في التنبؤ وتقديم الرؤى الاستراتيجية التي تتجاوز المناهج التقليدية في صنع القرارات والسياسات.

وبما أن الحكومات تُجري بالفعل تجارب على الذكاء الاصطناعي وتُدمجه في تقديم الخدمات والعمليات

فقد آن الأوان لاستخدامه لدعم عملية صنع السياسات الرشيدة. وتتمتع مختلف مستويات الحكومة بمزايا فريدة في هذا المجال. ومن المرجح أن تتمكن الحكومات الوطنية من الوصول إلى مجموعات  بيانات ضخمة، ويمكنها استخدام الذكاء الاصطناعي لدمج المواضيع وتعزيز وتنسيق الأجندات الوطنية. وعلى أرض الواقع، تُتاح لحكومات الولايات والمقاطعات فرصة تصميم سياسات مُخصصة لمجتمعات مُحددة ضمن مناطقها. وعند نقطة التنفيذ، ستُتاح للحكومات المحلية أفضل فرصة لفهم وجهات نظر مُكوناتها، وصياغة أدوات السياسات، والإشراف على التنفيذ، وتقييم النتائج. في الواقع، يُمكّن الذكاء الاصطناعي الحكومات الإقليمية والمحلية، التي غالبًا ما تفتقر إلى قدرات سياسية قوية، من تحقيق تقدم كبير في عملية صنع السياسات.

في هذه الدراسة، سنستكشف عملية اتخاذ القرارات باستخدام الذكاء الاصطناعي، وأهميتها،.والمزايا الرئيسية للذكاء الاصطناعي في عملية اتخاذ القرار  سنتناول أيضا قيود  عمليات اتخاذ القرارات التقليدية، سواءً كانت حاسوبية أو بشرية، ونشرح كيف ولماذا يتفوق الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرارات الأصعب على البشر. سنستعرض أيضًا لبعض التحديات والقيود المتعلقة  باستخدام الذكاء الاصطناعي في صياغة السياسات ،

ما هو اتخاذ القرار في الذكاء الاصطناعي

يشير مصطلح “الذكاء الاصطناعي في صنع القرار” إلى استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي للمساعدة في عملية التقييم أو أتمتتها. تقليديًا، حيث كان صنع القرار يعتمد على الحدس البشري والخبرة وتحليل البيانات المحدوده. ومع ذلك، يستطيع الذكاء الاصطناعي معالجة كميات هائلة من المعلومات بكفاءة أعلى بكثير من أي إنسان، مما يؤدي إلى اتخاذ قرارات تعتمد على تحليل شامل للبيانات، والتعرف على الأنماط، والنمذجة التنبؤية.

من أهم فوائد الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرارات قدرته على تقليل التحيز والأخطاء. فبينما تؤثر التحيزات اللاواعية أو العوامل العاطفية غالبًا على القرارات البشرية، يعتمد الذكاء الاصطناعي كليًا على البيانات. وتساعد هذه الموضوعية على ضمان اتخاذ قرارات أكثر عقلانية ومواءمتها مع نتائج الأعمال المرجوة. علاوة على ذلك، تعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، وتعالج البيانات الجديدة باستمرار وتتكيف مع الظروف المتغيرة

قوة الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرارات

تخيّل برنامجًا حاسوبيًا قادرًا على تحليل كميات هائلة من البيانات واتخاذ قرارات أفضل. هذه هي قوة الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرارات. تُحلل أنظمة الذكاء الاصطناعي المعلومات، كالنصوص والصور، أو حتى قراءات المستشعرات. تتراوح هذه الخوارزميات بين قواعد بسيطة وشبكات عصبية معقدة تُوجّه الذكاء الاصطناعي في معالجة البيانات واستخلاص النتائج.

حيث يُطوّر التعلّم الآلي عملية اتخاذ القرارات باستخدام الذكاء الاصطناعي. فمن خلال التعلّم من التجارب السابقة (البيانات والنتائج)، يُمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي تحسين قدراتها على اتخاذ القرارات باستمرار. تُساعد هذه الأتمتة المُدعّمة بالذكاء الاصطناعي الشركات على اتخاذ قرارات أسرع وأكثر دقة في مختلف المجالات، من تجارة التجزئة والمالية إلى الاتصالات والإعلام .

العمليات البشرية والحاسوبية التقليدية في اتخاذ القرار

تتطلب هذه العمليات بيانات كاملة، مُنسَّقة بطريقة معينة، ومُجمَّعة بعناية. يعتمد تحليل البيانات التقليدي بشكل كبير على الخبرة البشرية والعمليات اليدوية. يجب على المحللين جمع البيانات وتنقيتها، ثم استخدام الأساليب الإحصائية لاستخلاص النتائج.

من الصعب جدًا على الناس اتخاذ قرارات سريعة عند مواجهة آراء متباينة من مصادر مختلفة، أو عندما تكون لهم مصلحة شخصية في القرار. كما أن الناس كائنات معتادة، ولا يتعلمون دائمًا من أخطاء الماضي.

اما بالنسبة للذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار فهو يستطيع التعامل بسهولة مع المدخلات غير المرتبة والمتناقضة. فهو قادر على معالجة بيانات تفوق قدرة الشخص على استيعابها، ويستطيع بسهولة تحديد الإشارات المتداخلة. وبفضل التعلم الآلي، تُدرّب نتيجة كل قرار النظام على اتخاذ قرارات أفضل مستقبلًا.

أهمية الذكاء الاصطناعي في عملية اتخاذ القرار

.يُحدث دمج الذكاء الاصطناعي في عمليات صنع القرار تحولاً جذرياً في القطاعات، إذ يُمكّن من اتخاذ قرارات أكثر استنارة وكفاءة وفعالية. حيث إن قدرته على تحليل كميات هائلة من البيانات بسرعة ودقة، تجعله الخيار الأمثل لاتخاذ القرارات في القرن الحادي والعشرين.

من حيث المبدأ، يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي أن تساعد في التغلب على بعض المشاكل التي تؤثر على عملية صنع القرار البشري، مثل الذاكرة العاملة المحدودة، وقصر فترات الانتباه، والتعب من اتخاذ القرار، خاصة عندما يتعلق الأمر باتخاذ القرارات تحت الضغط.

المزايا الرئيسية للذكاء الاصطناعي في عملية اتخاذ القرار

  • رؤى مبنية على البيانات :

تُحلل أنظمة الذكاء الاصطناعي مجموعات البيانات الضخمة آنيًا، مُحددةً الاتجاهات والارتباطات والأنماط التي قد يغفلها المحللون البشريون. هذا يُمكّن الشركات من اتخاذ تنبؤات وقرارات أكثر دقة.

  • تحيز أقل :

غالبًا ما تتأثر القرارات البشرية بالتحيزات المعرفية أو العواطف. أما الذكاء الاصطناعي، فيبني قراراته على البيانات فقط، موفرًا نتائج موضوعية ومتسقة.

  • دورات اتخاذ قرارات أسرع :

يستطيع الذكاء الاصطناعي معالجة البيانات وإنتاج توصيات أو إجراءات أسرع بكثير من البشر. وهذا يؤدي إلى استجابات أسرع في مجالات مثل خدمة العملاء أو إدارة سلسلة التوريد.

كيف يُساعد الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرارات

  1. سرعة اتخاذ القرار

في عصرنا الحالي، تتسارع وتيرة الأعمال، وتُعدّ القدرة على اتخاذ قرارات سريعة أمرًا بالغ الأهمية. تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي معالجة البيانات وتوليد رؤى آنية، مما يُمكّن المؤسسات من الاستجابة بسرعة لظروف السوق المتغيرة واحتياجات العملاء.

من خلال أتمتة عمليات تحليل البيانات واتخاذ القرارات، يُلغي الذكاء الاصطناعي المهام المُستهلكة للوقت المتمثلة في جمع البيانات وتفسيرها يدويًا. يتيح هذا لصانعي القرار التركيز على المبادرات الاستراتيجية، بينما يتولى الذكاء الاصطناعي المهام الرئيسية، مما يُسرّع في نهاية المطاف عملية اتخاذ القرار ويمنحهم ميزة تنافسية.

  1. تعزيز الإنتاجية

أكثر الموظفين تفانيًا لا يمكنهم العمل إلا لساعات محدودة يوميًا. وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي. يشبه الأمر وجود مساعد لا يكل يعمل على مدار الساعة لمعالجة البيانات وتقديم الرؤى. هل تحتاج إلى تحليل فوري أو حلول سريعة؟ الذكاء الاصطناعي يلبي احتياجاتك.

من خلال الاستفادة من قدرة الذكاء الاصطناعي على العمل على مدار الساعة، يمكن للناس تعزيز إنتاجيتهم وتوفير وقت للتفكير الاستراتيجي واتخاذ القرارات. وبالطبع، الذكاء الاصطناعي ليس بديلاً عن الحكمة البشرية، فهو أداة تُعزز قدراتنا. اعتبره مُعززًا للإنتاجية يُساعدك على العمل بذكاء، لا بجهد أكبر.

  1. تحسين الدقة

تتميز خوارزميات الذكاء الاصطناعي بمعالجة وتحليل كميات هائلة من البيانات المنظمة وغير المنظمة. ومن خلال تحديد الأنماط المعقدة والارتباطات والشذوذات التي قد يغفل عنها البشر، يمكن للذكاء الاصطناعي توفير رؤى وتنبؤات أكثر دقة.

تُمكّن هذه الدقة المُحسّنة المؤسسات من اتخاذ قرارات أكثر استنارة، مما يُقلل من خطر الأخطاء ويضمن نتائج مثالية. كما تُسهم قدرة الذكاء الاصطناعي على مراعاة متغيرات متعددة في آنٍ واحد والتعلم من التجارب السابقة في دقته الفائقة في عمليات صنع القرار.

  1. تقليل المخاطر

يلعب الذكاء الاصطناعي دورًا حاسمًا في تحديد المخاطر والتهديدات المحتملة والحد منها. فمن خلال تحليل كميات هائلة من البيانات التاريخية، تستطيع خوارزميات الذكاء الاصطناعي اكتشاف الأنماط والشذوذات التي تشير إلى مخاطر محتملة، مثل الأنشطة الاحتيالية، وتقلبات السوق، أو اضطرابات سلسلة التوريد.

يتيح هذا الكشف المبكر للمؤسسات التخفيف من حدة المخاطر بشكل استباقي وتجنب الأخطاء المكلفة. كما يمكن للذكاء الاصطناعي إجراء عدد لا يُحصى من عمليات محاكاة السيناريوهات والتنبؤ بالنتائج المحتملة، مما يُمكّن صانعي القرار من تقييم أثر الاستراتيجيات المختلفة واتخاذ خيارات مدروسة تُقلل من التعرض للمخاطر.

استخدام الذكاء الاصطناعي في صنع القرار

  1. زيادة الكفاءة

يُبسّط الذكاء الاصطناعي عمليات اتخاذ القرار من خلال إزالة الاختناقات وتحسين سير العمل. ومن خلال أتمتة جمع البيانات وتحليلها وإعداد التقارير، يُمكّن الذكاء الاصطناعي صانعي القرار من الوصول إلى المعلومات ذات الصلة بسرعة وسهولة، مما يُلغي الحاجة إلى جمع البيانات يدويًا، ويُتيح للفرق التركيز على المهام الأكثر أهمية.

وفي هذا السياق يستطيع الذكاء الاصطناعي أيضًا تحديد أوجه القصور في العمليات الحالية واقتراح تحسينات، مما يؤدي إلى زيادة الإنتاجية والكفاءة التشغيلية. علاوة على ذلك، تضمن قدرة الذكاء الاصطناعي على معالجة البيانات على مدار الساعة واستمرار عمليات اتخاذ القرار دون انقطاع، حتى خارج ساعات العمل الرسمية.

  1. خلق الاتساق

تخيل عالمًا يلتزم فيه كل قرار، من البسيط إلى الضخم، بقواعد موحدة بدقة. من خلال الاستفادة من خوارزميات التعلم الآلي والقواعد المحددة مسبقًا، يضمن الذكاء الاصطناعي اتخاذ القرارات بشكل متسق في جميع المجالات، مما يقضي على التقلبات التي قد تؤثر على الحكم البشري.

سواءً عند الموافقة على القروض، أو إدارة سلاسل التوريد، أو تنفيذ مهام متكررة، يعمل الذكاء الاصطناعي كمُعادلٍ مثالي، مُطبقًا نفس المعايير والمنطق في كل مرة. إنه اتساقٌ راسخ يُبسّط العمليات ويُعزز العدالة والنزاهة. بوجود الذكاء الاصطناعي في القيادة، يُمكن للمؤسسات أن تثق بأن القرارات تُتخذ بموضوعية، استنادًا إلى البيانات وأفضل الممارسات المُعتمدة، بدلًا من التحيزات أو الأهواء الفردية.

  1. تطوير الذاكرة المؤسسية اللانهائية

بينما يأتي الموظفون من البشر ويرحلون، يبقى الذكاء الاصطناعي حارسًا أبديًا للمعرفة المؤسسية. كإسفنجة رقمية، يمتص كل درس، وكل فكرة، وكل قرار يُتخذ داخل الشركة. يُحلل بلا كلل النجاحات والإخفاقات الماضية، مُحددًا الأنماط وأفضل الممارسات التي تُرشد عملية صنع القرار في المستقبل. بفضل قدرته اللامحدودة على التذكر، يضمن الذكاء الاصطناعي عدم ضياع التجربة الجماعية. فهو دائمًا على أهبة الاستعداد لتقديم سياق ورؤى مُستندة إلى تاريخ الشركة.

بالاستفادة من الذاكرة المؤسسية اللامحدودة للذكاء الاصطناعي، يمكن للمؤسسات اتخاذ قرارات أذكى وأكثر استنارة، مبنية على نجاحات سابقة، مع تجنب مخاطر الماضي. يصبح الذكاء الاصطناعي حاميًا لحكمة الشركات، ضامنًا الحفاظ على المعرفة القيّمة وتطبيقها لدفع عجلة الأعمال قدمًا.

الذكاء الاصطناعي ودورة  في صياغة السياسات

بدأت الحكومات بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي لتقديم الخدمات وتحسين العمليات، إلا أن  استخدامه للمساعدة في صياغة السياسات لا يزال في بداياته. وتُعد أسس صنع السياسات – وتحديدًا القدرة على استشعار أنماط الاحتياجات، وتطوير برامج قائمة على الأدلة، والتنبؤ بالنتائج، وتحليل الفعالية.

 على الرغم من رغبة الحكومات في استخدام الأدلة لتوجيه قراراتها السياسية، إلا أن هذه الأدلة غالبًا ما تكون ناقصة، أو غير مفهومة جيدًا، أو غير مدمجة جيدًا في عملية صنع القرار ورسم السياسات. يمكن للذكاء الاصطناعي تمكين الفهم والتكامل. فصنع السياسات ليس نشاطًا منفردًا، بل هو عملية دورية من ست مراحل: التحديد، والصياغة، والاعتماد، والتنفيذ، والتقييم. انظر الشكل(1). في كل مرحلة، يمكن للذكاء الاصطناعي مساعدة صانعي السياسات على توليد قيمة وتأثير أكبر

 تستطيع أدوات الذكاء الاصطناعي تجميع كميات هائلة من البيانات بسرعة واكتشاف الأنماط.حيث  تُعد هذه القدرة مفيدة بشكل خاص خلال الأزمات، مثل جائحة فيروس كورونا الحالية، أو الكوارث البيئية، أو نقص الغذاء. يمكن للتعلم الآلي توليد رؤى آنية تقريبًا، مما يسمح لقادة القطاع العام وصانعي السياسات باتخاذ إجراءات سريعة.

 في إطار ذلك  تسعى الحكومات بشكل روتيني إلى التنبؤ بالتكاليف والفوائد والنتائج المتوقعة لخيارات السياسات. ويمكن للذكاء الاصطناعي تعزيز هذا التحليل من خلال توفير رؤى سريعة لمجموعات سكانية ومناطق جغرافية أصغر بكثير أستراليا و كيبيك نموذجا لاستخدام الذكاء الاصطناعي في صياغة السياسات

في أستراليا، يتتبع برنامج “المراقبة المتلازمية” التابع لحكومة ولاية فيكتوريا الأعراض المُبلّغ عنها وخصائص المرضى في المستشفيات. وفي غضون أربعة أشهر من الاستخدام، أتاحت هذه الأداة لمسؤولي الولاية تحديد ستة مخاوف صحية عامة. وتكتسب أدوات الإنذار المبكر هذه أهمية خاصة في عصر كوفيد-19

.

في كيبيك، يُوظّف متخصصو التنمية الاقتصادية أدوات الذكاء الاصطناعي لتطوير فهم أدقّ للاختلافات الاقتصادية والعمالية والتعليمية بين المناطق الفرعية. ومن خلال تحليل بيانات الحكومة والقطاع الخاص والجهات الخارجية ومواقع التواصل الاجتماعي، يُمكن للحكومة توطين خطط التنمية الاقتصادية وضبطها بدقة أسرع وبتكلفة أقلّ من السابق. وفي الوقت نفسه، طبّقت إحدى حكومات الشرق الأوسط أدوات استشعار الأنماط على بيانات التجارة العالمية لتحسين ميزان المدفوعات في البلاد ووضع سياسات تجارية أكثر فائدة..

التبني. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يلعب دورًا هامًا في هذه المرحلة، التي تُعدّ سياسيةً تاريخيًا. تُقرّ الهيئة التشريعية قانونًا، وتُصدر الهيئة التنظيمية لائحةً جديدة. بفضل الرؤى المُستقاة من الذكاء الاصطناعي خلال المراحل السابقة، سيكون المنظمون والمشرعون أكثر قدرةً على اتخاذ قراراتٍ أكثر استنارة. سيكتسبون فهمًا أعمق للقضايا، مما يُمكّنهم من التنبؤ بالتأثير المُحتمل للسياسة بشكلٍ أفضل.

التنفيذ. تُعدّ جودة السياسة رهينةً بتطبيقها. تُساعد أدوات الذكاء الاصطناعي على تنفيذ السياسات بكفاءة أكبر من خلال الأتمتة والتحليل شبه الفوري للملاحظات الميدانية. في نيو أورلينز، على سبيل المثال، أرادت وكالة خدمات الطوارئ وضع سياسة قائمة على البيانات لتحسين أوقات استجابة سيارات الإسعاف. اعتمدت المدينة على الذكاء الاصطناعي لتحسين مواقع سيارات الإسعاف الأقرب إلى الأماكن الأكثر حاجةً إليها. وقد أولت عنايةً خاصة لتصميم الخوارزميات لمراعاة الممارسات السابقة التي حالت دون حصول الأحياء الفقيرة على خدمات أسرع.

التقييم. تُعدّ جودة السياسات مرهونة بالتعديلات التي تُجرى بعد التنفيذ لإصلاح ما لا يعمل على أرض الواقع. تُسرّع أدوات الذكاء الاصطناعي تقييم الجوانب التي تحتاج إلى تغيير من خلال تحديد مواطن القصور أو الاحتيال المحتملة في السياسة. في المملكة المتحدة، يُساعد الذكاء الاصطناعي المسؤولين الحكوميين على تقدير تأثير ضريبة الكربون على الانبعاثات والإنتاجية الإجمالية للأعمال. يُعدّ إجراء هذا التقييم صعبًا نظرًا لغياب “الواقع المُناقض”: معرفة ما كان سيحدث بدون الضريبة. لكن مُحاكاة الذكاء الاصطناعي تُساعد على تحسين معدلات الضرائب للحد من الانبعاثات والحفاظ على الإنتاجية.

التحديات والقيود المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي في صياغة السياسات

  1. انحياز الخوارزميات:

يُعد انحياز الخوارزميات (Algorithmic Bias) من أبرز التحديات التي تواجه الحكومات في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في صياغة السياسات ، حيث تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي على البيانات التي تُستخدم في التدريب. وفي حال احتواء هذه البيانات على تحيزات مسبقة، أو تم جمعها بشكل غير متوازن وغير مدروس، فسوف يؤدي ذلك إلى نتائج غير عادلة أو مشوهة أو غير نزيهة. على سبيل المثال، تفتقر بيانات تمويل الحملات الانتخابية، المستخدمة في تدريب النظام، إلى تمثيل كافٍ لبعض الفئات أو المناطق؛ ما قد يسبب تجاهلًا أو تقليلًا من أهمية الانتهاكات المرتبطة بها

2- تهديد الخصوصية:

يُعد استخدام الذكاء الاصطناعي في عملية جمع وتحليل كميات كبيرة جدًا من البيانات السياسية، كسجلات التمويل وسلوكيات الاشخاص الناخبين، أمرًا يثير الريبة والشكوك بشأن خصوصية الأفراد؛ حيث تعتمد هذه الأنظمة على جمع بيانات حساسة وشخصية قد تكون متعلقة بالأفراد أو الأحزاب السياسية، ويمكن أن يؤدي ذلك الأمر إلى ارتكاب انتهاكات قانونية وأخلاقية. على سبيل المثال، في حالة تحليل ودراسة بيانات وسائل التواصل الاجتماعي لتتبع التبرعات الانتخابية، قد يؤدي ذلك إلى كشف معلومات شخصية للمتبرعين؛ ما يسبب انتهاكًا كبيرًا لقوانين حماية البيانات، مثل اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR) في الاتحاد الأوروبي

3- التأثير في حرية التعبير:

قد يؤدي استخدام الذكاء الاصطناعي في صياغة السياسات  إلى التقليل من حرية التعبير والممارسات الديمقراطية. فعند استخدام الحكومات أو الأحزاب السياسية تقنيات الذكاء الاصطناعي لمراقبة الآراء العامة والتوجهات أو المقالات التي تعارض التوجه الحالي عبر الإنترنت، لن يتمكن الأفراد من التعبير عن آرائهم بحرية مطلقة، وبالتالي سيتسبب استخدام الذكاء الاصطناعي في تقييد كبير لحرية الأفراد بشكل عام

4- التأثير في الممارسات الديمقراطية:

قد يؤدي الاعتماد الكبير على تقنيات الذكاء الاصطناعي في إدارة العمليات السياسية إلى التأثير في الممارسات الديمقراطية، حيث يمكن أن يؤدي استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل بيانات الناخبين، الذين قامو بعمليات الانتخابات السياسية، إلى استهداف فئات معينة منهم بحملات موجهة ضدهم؛ ما يُوجِد بيئة غير متكافئة بين المرشحين. فضلًا عن ذلك، فإن هناك إمكانية لاستخدام أدوات التزييف العميق (Deepfakes) لإنشاء محتوى مزيف وادعائي، يهدف إلى تضليل الناخبين وتغيير آرائهم؛ ما يجعل العمليات الانتخابية غير نزيهة

5-تحديات قانونية وتنظيمية:

تُعد التشريعات والقوانين، التي تنظم عملية استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال السياسي، محدودة وغير معروفة للجميع في العديد من البلدان؛ ما يُوحِي بفراغ قانوني وتشريعي، يمكن أن يؤدي إلى سوء استخدام هذه التكنولوجيا. فنلاحظ غياب لوائح واضحة لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي في تتبع عمليات تمويل الحملات الانتخابية؛ ما يسبب الممارسات غير الأخلاقية.

6- صعوبة تفسير النتائج: (Lack of Interpretability)

يصعب في معظم الأوقات تحليل وفهم كيفية وصول نظام الذكاء إلى قراراته أو تحليلاته؛ بسبب صعوبة طبيعة أنظمة تقنيات الذكاء الاصطناعي؛ ما يصعِّب على اللجان الرقابية أو العامة الوثوق بالنتائج التي تقدمها هذه التقنيات، وبالتالي تنخفض مصداقية التقارير التي تستند إليها، أو ينتجها الذكاء الاصطناعي

7- تحديات فنية وتقنية:

تتطلب تقنيات وأنظمة الذكاء الاصطناعي عددًا كبيرًا جدًا من التقارير والبيانات ذات الجودة العالية، وهذا يُعد تحديًا صعبًا في البيئات والمجتمعات، التي تفتقر إلى بنية تحتية مناسبة، أو بيانات دقيقة وذات شفافية ونزاهة.

الخاتمة

وفي ظل هذه التطورات الرقمية المتسارعة، أصبح الذكاء الاصطناعي أداةً محورية لتعزيز الشفافية والمساءلة في الشؤون السياسية. وتُستخدم هذه التقنية على نطاق واسع في مراقبة الالتزام بالقوانين واتخاذ القرا رات وصياغة السياسات، بما يشمل تتبع تمويل الحملات الانتخابية، والكشف عن الفساد، وضمان تنفيذ السياسات العامة بفعالية. حيث  بدأت العديد من الحكومات، في السنوات الأخيرة، توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين الأداء المؤسسي، ودعم عملية اتخاذ القرار وصياغة السياسات .

ورغم هذه الفوائد، يثير الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي مخاوف متزايدة بشأن تأثيراته في الديمقراطية وحقوق الأفراد؛ إذ يمكن أن يتحول من أداة لتعزيز الشفافية إلى وسيلة للسيطرة، خاصة إذا استُخدم في تقليص حرية التعبير، أو تقويض المعارضين السياسيين. فضلًا عن ذلك، فإن تزايد سيطرة الشركات الكبرى المالكة لهذه التقنيات يمكن أن يؤثر في سيادة الدول وعملياتها السياسية؛ ما يجعل الحاجة إلى تنظيم أخلاقي وقانوني لاستخدام الذكاء الاصطناعي في هذا المجال أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

واخيرا الذكاء الاصطناعي ليس خيارًا خاليًا من المخاطر. فخوارزمياته – تلك المحركات التي تُولّد المعلومات من البيانات الخام – قد تُعزز الممارسات التمييزية القائمة. كما أن أدواته، مثل تقنية التعرف على الوجه، قد تنتهك حماية الخصوصية. كالمساءلة والشفافية والإنصاف.

https://lumenalta.com/insights/how-ai-decision-making-improves-business-outcomes

https://www.bcg.com/publications/2021/how-artificial-intelligence-can-shape-policy-making

https://www.weforum.org/stories/2023/09/how-artificial-intelligence-will-transform-decision-making

https://beam.ai/ar/agentic-insights/ai-augmented-decision-making-how-executives-can-leverage-ai-agents

https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0267364920300340

https://smnar.journals.ekb.eg/article_342012.html?lang=ar

 

https://www.bcg.com/publications/2021/how-artificial-intelligence-can-shape-policy-making

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.