قيمة الديمقراطية

حمزة هيجان

0

حمزة هيجان – طالب باحث في سلك الدكتوراه

المدرسة الوطنية للتجارة و التسيير ،جامعة عبد المالك السعدي ، المملكة المغربية

   متى ما تم البث لنقاش سياسي على شاشات الإذاعة أو التلفزة أو أتيحت الفرصة لحضور ندوة حول مستجدات الحياة السياسية، نجد المشاركين يلحون على ضرورة القيام بإصلاحات في العديد من المجالات ذات الصلة بحياة المواطن، إلا أنهم يرهنون هذه الإصلاحات التي ثمرتها التنمية بإدخال تغييرات وتعديلات إيجابية على النظام السياسي القائم، إننا نصادف مثل هذه الخطابات لا تخلوا من تلك الحمولة اللغوية التي تنهل من حقل عقلنة وتطوير العملية السياسية، كما نحسِب أن مفهوم الديمقراطية هو الحلقة التي تدور حولها هذه النقاشات.

    يعتبر مفهوم الديمقراطية الغربي النشأة أكثر المفاهيم توظيفاً واستعمالاً من طرف النخب الفكرية والسياسية في الأقطار العربية، وذلك في دعوتهم لإحداثِ إصلاحات عميقة يكون المستفيد منها هم أفراد المجتمع، في تقدير هذه النخب أن مبدأ الديمقراطية الذي يعني حكم الشعب من طرف الشعب ومن أجل الشعب هو الصيغة المناسبة والحقيقة الضامنة لتحقيق إصلاحات مجتمعية، هي الإجراء المطلوب إرساؤه وإنزال قواعده حتى يتمكن المواطن من العيش بكرامة وفي طمأنيـــــنة.

     في إبان ذلك، ما يميز الديمقراطية هو عملية الفصل بين السلط، على مستوى السلطة التشريعية يقتضي الأمر أن يصل نواب الشعب الذين اختارهم عبر الاقتراع إلى البرلمان، وهو المستوى الذي تنطوي من خلاله الممارسة البرلمانية على إجراءين، أما الإجراء الأول فهو الاضطلاع بعملية التشريع، التي يجب عن طريق إنتاج قوانين أن تعبر عن إرادة الشعب ومصالحه، ثم يأتي الإجراء الثاني الذي يهم مراقبة عمل السلطة التنفيذية. يعتبر هذين الإجراءين جد أساسيين في العملية السياسية وهما الباب أو المدخل الطبيعي لتحقيق الإصلاحات، على أساس أن القوانين الجيدة من شأنها أن تخلق التنمية، كذلك نجد أن مراقبة العمل الحكومي مكونٌ ضروريٌ للحيلولة دون ترك الحكومة تنفذ البرامج دون حسيب ولا رقيب، والحكومة بدورها ليست إلا مكونا أساسيا في النظام السياسي ومنبثقة من الأغلبية البرلمانية، هذا يعني أن الحكومة تتكون بالشعب ومن الشعب.

إن هذه الصلاحيات المسنودة للبرلمان تكفل وتضمن قطع شوط مهم نحو التنمية لكن قبل ذلك تقتضي تواجد نخبة قوية إلى جانب كفاءة واقتدار في فرض طريقة عملها، وذلك في حدود ما يمنحها القانون من صلاحيات، هذه النخبة القوية لن يكون ممكناً تواجدها إلا في ظل انتخابات حرة ونزيهة، وكذا بفعل سلوك انتخابي أخلاقي.

    على المواطن الراغب في التعبير عن صوته خلال الاستحقاقات الانتخابية أن يتعامل مع كفاءة الأشخاص والبرامج التي يقدمونها لتطوير حياة الساكنة دون ذلك نكون قد زغنا عما ننشد تحقيقه وراء الانتخابات. في هذا السياق، نجد أن الديمقراطية  تمنح المواطن حقاً أساسياً ومهماً يمكنه من اختيار من يعبرون عن إرادته، وبالتالي عليه أن يحسن استعمال هذا الحق حتى لا تنقلب عليه الأمور، بمعنى أي سوء استعمال للحق الديمقراطي سيخلق نخبة غير كفئة، بل انتهازية وحريصة على تحقيق مصالحها على حساب مصالح الشعب، لذلك على المواطن أن يعي ويتعقل قيمة الديمقراطية أثناء ممارسته لحقه الانتخابي، ويتعامل مع هذه الممارسة بروية وتبات، فالتصويت لا يكون كل يوم، ومن فشل في اختيار ممثليه، قد ضيع عليه فرص تنمية ثمينة وحقيقية، وجر عليه سنوات من النكوص والجمود، بل الكساد والفساد.

    يعتبر الدستور الوثيقة القانونية والسياسية التي توزع السلطات على مؤسسات الدولة من رئاسة الدولة وبرلمان وحكومة وقضاء، إنه ينظم هذه السلط، وباعتباره روح القوانين والجامع لمبادئ الممارسة السياسية والضامن لحقوق الأفراد وحرياتهم، يجب أن يتم إعداده من طرف الشعب، ولتحقيق ذلك يقوم أفراد الشعب عن طريق اقتراع مباشر اختيار من ينوبون عليهم في عملية الإعداد، وبعد اختيارهم يجتمع هؤلاء النواب في ما يسمى بالمجلس التأسيسي وينكبون على إعداد الدستور، مباشرة بعد الانتهاء من عملية الإعداد يقومون بعرض ثمرة عملهم على الشعب للاستفتاء، بمعنى إذا تم التصويت على الدستور بالأغلبية الموافِقة دل على أن الشعب قبِل بالدستور، وبالتالي يصبح قابلاً للدخول حيز التنفيذ.

 إن إعداد الدستور من طرف مجلس تأسيسي منتخب من طرف الشعب والاستفتاء النهائي والإيجابي عليه يجسد مبدأ الديمقراطية في أعلى تجلياتها، فنحن أمام أهم وثيقة سياسية، إن أعدها الشعب فهذا يعني أن الشعب هو الذي وزع السلطات بين مؤسسات الدولة، هو الذي فصل بين هذه السلطات، وإذا استمرت الأمور على هذا الشكل هل هناك من شك في تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعيتين والرفاهية الاقتصادية، وإذا حصل ذلك فالفضل كله يعود للديمقراطية.

    لا بد أن نشير أن استقلال القضاء يعتبر ركناً أساسياً في العملية الديمقراطية، تتجلى أهميته في المطالبة بالحق العام وحماية حقوق الناس وصيانة حرياتهم، لذلك لا يجب أن يكون تابعاً لأي جهة، وإلا ضاعت حقوق الناس وتلاشت واضمحلت حرياتهم، وساد شعور الظلم والجور وانعدمت بالتالي ظروف السلم والأمن داخل منظومة المجتمع. لقد اتجهت العديد من الدول الساعية إلى إرساء الديمقراطية إلى ضمان استقلال القضاء، ومن بين أهم التدابير المعمولة في هذا الشأن حماية مؤسسة القاضي من الابتزاز والضغط والتهديد قبل إلقاء الأحكام، كما قامت بإنشاء مؤسسة النيابة العامة بصفتها سلطة قضائية مستقلة تمام الاستقلال عن وزارة العدل التي لم يعد دورها يتحدد في أكثر من توفير الموارد البشرية والوسائل اللوجستية والمادية لمؤسسة النيابة العامة، وهذا كله فضل من فضائل الديمقراطية يجب أن تصان ويتم تعزيزها بالمزيد من التدابير.

     في نفس السياق، تعتبر الحكومة ذلك الجهاز التنفيذي الذي أسند له الدستور مهمة وضع البرامج والسياسات على أرض الواقع لتلبية انتظارات الشعب، بدورها يجب أن تخضع لصيرورة الدمقرطة، كيف ؟ نعلم أن الحكومة تكون منبثقة من البرلمان بل يتم تنصيبها من طرف مجلسيه، كما تحظى بثقته عند تصويته بالإيجاب على ذلك البرنامج الذي تزمع إنزاله على أرض الواقع، وبما أن البرلمان معين ومختار من طرف الشعب، وأن الحكومة منبثقة من هذا الجهاز هذا يعني أن الحكومة تعمل في تربة ديمقراطية، لكن مع ذلك نجد بعض الحكومات خاصة في بعض التجارب السياسية السائرة في طريق الديمقراطية تضم بعض الوزراء الغير المنتمين سياسياً أو ما يسمى بالتكنوقراط، وعلماً أن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة من أهم المبادئ الديمقراطية، هذا يعني أن محاسبة ورد هؤلاء التكنوقراط للحساب غير ممكن ما من شأنه أن يشجع هذه الفئة على الشطط في استعمال سلطاتها الحكومية والتنفيذية، وهي في تمام الوعي أن لا أحد سيقدر على محاسبتها، وهذا يعد تراجع عن المسار الديمقراطي، ما يستلزم القطع معه بملء النخب السياسية والحزبية الحائزة على ثقة نواب الشعب جميع المواقع الحكومية، إلا أن ما يزيد من استفحال هذه الظاهرة هو عدم تقديم الأحزاب السياسية لما يكفي من النخب ذات الكفاءة والمقدرة، هذا في حد ذاته مشكل بنيوي يدل على أن الأحزاب لا تستثمر إمكانياتها للبحث عن النخب بل محل ذلك تهرع إلى أصحاب النفوذ والمكانة المرموقة.

       علاقة بالموضوع نفسه، تقتضي الديمقراطية أن ينفتح المجتمع على جميع طاقاته وكفاءاته وألا يضع في طريق وصول هذه الطاقات إلى مناصب المسؤولية العراقيل والحواجز، وإننا هنا نعني بالحواجز تلك الشروط التي لا تمت بأدنى صلة للكفاءة وهي الموضوعة صدا منيعا أمام كل من يطمح إلى وضع مؤهلاته بما يحقق تنمية بلده على جميع المستويات. إن مجهود التنقيب عن هذه الطاقات، تأطيرها ثم اقتراحها لشغل مناصب المسؤولية كلها أدوار يجب أن تضطلع بها الأحزاب السياسية، لكن ما يجري في الواقع أن اقتراح الأشخاص لمناصب المسؤولية الوزارية يراعي بعض الشروط، آخرها المقدرة والكفاءة والتجربة والخبرة المهنية، أما أولها هو ضرورة نسج المرشح للمنصب بعض العلاقات الزبونية ونشاطه داخل شبكة من الولاءات. ثم إن واقع ترشيح الأشخاص للمناصب الوزارية يعتبر في حد ذاته مظهراً من مظاهر الإعراض عن الكفاءات وقمع طاقات المجتمع، التي بفعل هذا الواقع تتعرض للذبول والموت، أو تغادر لتغرد خارج سرب الوطن.

    تعتبر العملية الانتخابية حجر الزاوية في الممارسة الديمقراطية بل هي التمرين الديمقراطي الحقيقي، لأن من خلالها يختار السكان من يمثلهم ويضع القوانين التي تنظم حياتهم (البرلمان)، وبطريقة غير مباشرة عن طريق الاقتراع الانتخابي يصْطَفون من يدبر شؤونهم (الحكومة)، على اعتبار أن الحزب المتصدر انتخابياً تكون له صلاحية تشكيل الحكومة. إلا أن الانتخابات تشهد بعض الآفات والأعطاب التي تجعل منها فرصة ثمينة للانتهازيين والوصوليين للصعود إلى سدة السلطة، بغرض استغلال تلك المواقع لتحقيق مآربهم ومصالحهم الضيقة. في الواقع، لم تعد تلجأ الأحزاب السياسية قبيْل الانتخابات إلى الأطر المثقفة وصاحبة الكفاءة بل والرصيد النضالي، محل ذلك تفضل الاعتماد على أصحاب المال والجاه   والعلاقات والولاءات اعتقاداً منها أن هذه الفئة لها كفاءة انتخابية بل ذات مكانة اعتبارية تؤهلها لاكتساح النتائج الانتخابية. إنه من الطبيعي أن يكون للأحزاب الحق في منح تزكية المشاركة في الانتخابات لمن يريدون دون قيد أو شرط وهذا ما أكدته الممارسة، وهذا بالضبط ما أدى إلى تصاعد حجم الفساد الانتخابي، لذلك وجب الإسراع في إدخال إصلاحات على المنظومة الانتخابية، بحيث يتم تقييد اختيار الأحزاب لمرشحيهم بعدة شروط، من بينها عدم منح التزكية لأصحاب السوابق القضائية أو أولئك المتابعين بتهم الفساد وسرقة المال العام، ثم اعتماد كوطا إشراك المثقفين أصحاب الأفكار والرؤى والتوجهات، فضلا عن العمل بكوطا لاستثمار الطاقات النسائية وقدرات الشباب المتحمس للمشاركة بفعالية في تنمية بلده. في الوضع الراهن نجد أن الأحزاب تستقطب كائنات انتخابية لن يكون مستقبلها في تدبير الشأن العام أحسن من ماضيها عوض التعويل على خزان من طاقات المجتمع، إنه إصلاح حان وقته حتى نتمكن من التطلع لتجارب سياسية وبرلمانية جيدة.

    صفوة القول الذي كان يستفيض لو لم نفضل الإيجاز حتى لا نشعر القارئ بالملل، نخلص إلى أن ذراعي الديمقراطية هما دستور مهيأ من طرف مجلس تأسيسي منتخب من الشعب، وانتخابات حرة ونزيهة يشارك فيها من لهم إرادة وكفاءة لترجمة انتظارات الشعب إلى واقع، فإذا مُنح الدستور وفسدت الانتخابات كابد الشعب المحن والمعاناة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.