المشروعية الدستورية للمؤسسة الملكية
د.ربيعة المعاشي
إذا كان الدستور[1] أو المشروعية الدستورية قاسما مشتركا لجل الأنظمة المعاصرة، فإن خصوصية النظام السياسي المغربي وامتلاكه لمشروعية قوية تجعل من المؤسسة الملكية العمود الفقري للنظام السياسي نظرا لتبوئها لمكانة مرموقة ودرجة رفيعة داخل ثنايا الوثيقة الدستورية والتي تتضمن من الفصول والمقتضيات ما يكفي للقول بأن هذه المؤسسة تتفوق على باقي المؤسسات الدستورية، سواء في الاختصاصات والمهام أو في المرتبة والمقام، ويرجع هذا الأمر إلى الأساس الذي يقوم عليه النظام السياسي المغربي، ألا وهو وحدة السلطة التي تستوجب مركزتها في يد الملك[2].
وتأكيدا على ذلك يقول الدكتور عبد العزيز النويضي في كتابه “الإصلاح الدستوري في المملكة المغربية: ” ذات صباح من يناير 2005، ومن مرتفع يطل على مشارف القدس الشريف أمام فندق الأقواس السبعة، سألني Patrick Merloe – العقل المفكر في المعهد الوطني الديمقراطي للشؤون الدولية المكلف بالبرامج السياسية- وقد كنا حينئذ عضوين في الوفد الدولي المشرف على مراقبة الانتخابات الرئاسية الفلسطينية، عن مميزات الدستور المغربي وعندما أنهيت كلامي علق مبتسما: “You have not a constitutional monarchy, you have a monarchy with a constitution!”
” ليست لديكم ملكية دستورية، لديكم ملكية مع دستور”[3].
يلاحظ أن جميع النصوص الدستورية زيادة على كونها تحدد الاختيارات والتوجهات العامة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فإنها تضع إطارا عاما للعبة السياسية وللحقل الذي ستدور فيه، ويتجلى ذلك في هذه الحالة في تكريس سيطرة وهيمنة المؤسسة الملكية من منظور جديد كسلطة محورية داخل الحقل السياسي المغربي[4]، ذلك أنه عندما نودي بالإصلاح الدستوري في المغرب شكلت ثوابت النظام السياسي أساسا لا يمكن مناقشته[5]، فالمؤسسة الملكية وإن أقدمت على مجموعة من التعديلات التي همت البرلمان والحكومة، فإنها لم تتخلى عن تكريس دورها المركزي والمحوري[6]، والمحافظة عليه باعتبارها فاعلا مركزيا في مجتمع متعدد[7].
لرصد وضع السلطة الملكية يجب النظر إليها في موازاة مع باقي السلط المقابلة لها: السلطتين التشريعية والتنفيذية وهو ما يجر الحديث عن فصل السلط.
– 1المسألة الدستورية ومبدأ فصل السلط عند الملك الراحل الحسن الثاني
بدأت الحركة الدستورية بداية القرن العشرين بتقديم أول مشروع دستور[8] بتاريخ 11 أكتوبر من سنة 1908 من قبل مجموعة “لسان العرب” التي انفصلت آنذاك عن السلطان مولاي عبد العزيز إثر موافقته على مقررات مؤتمر الجزيرة الخضراء والتي أخضعت البلاد للسيطرة الاقتصادية، وكان هذا المشروع هو أول محاولة لدسترة الملكية التقليدية[9].
أ- المسألة الدستورية عند الملك الراحل الحسن الثاني
لقد أسس مشروع دستور 1908 لسلطنة دستورية فيها السيادة للأمة وفيها فصل للسلط التنفيذية والتشريعية والقضائية، وترتكز على الطابع البرلماني للسلطنة[10] كما جاء ذلك في الفصل الثامن من مشروع الدستور: ” إن حضرة السلطان غير مسؤول بأمر من أمور الدولة لا داخليا ولا خارجيا”، غير أن هذا المشروع ألغي بموجب معاهدة الحماية التي فرضت على المغرب في 30 مارس من سنة 1912.
وفي 16 نونبر من سنة 1955 بعد عودة الملك محمد الخامس من المنفى أصبح واضحا أن المغرب سيصبح ملكية دستورية، ويبدو أنه كان بمقدور الملك آنذاك – بما لديه من سلطة وهيبة – أن يضع دستورا للبلاد بعد حصول المغرب عن الاستقلال، إلا أنه آثر أن يؤجل ذلك “حتى يستطيع المغاربة فهم وثيقة الدستور وتسمح الظروف بمشاورات حرة للرغبات الشعبية”[11]، وقد أوضح محمد الخامس في كثير من الأحيان تعلقه بالمبادئ الديمقراطية ونادى بتأسيس ملكية دستورية وإقرار نظام ديمقراطي[12].
وقد شكلت الفترة الممتدة بين 1955- 1962 فترة البحث عن شكل السلطة التأسيسية التي سترسم معالم الدولة المستقلة وشكلها السياسي وطبيعة العلاقة بين مؤسساتها، وقد حرص محمد الخامس في جميع خطبه على الإشارة إلى الجمعية التأسيسية التي ستضع الدستور ولكن دون الإشارة إلى أنها ستكون منتخبة[13].
لقد أثارت مسألة السلطة التأسيسية نقاشا حادا عكس مدى الخلاف الإيديولوجي حول الفلسفة السياسية لطبيعة الدولة وحول من يملك أسمى سلطة فيها، لذلك وضع الملك الراحل الحسن الثاني حدا لهذا النقاش باحتكاره لسلطة وضع الدستور[14] انطلاقا من مفهوم البيعة المقدسة[15]، ففي خطابه المؤرخ في 18 نونبر من سنة 1962 أكد على ذلك بقوله:” لقد أنجزت شخصيا مشروع دستور المملكة والذي سأعرضه عليك ليحضى بتصويتك، هذا الدستور الذي أنجزته بيدي هو قبل كل شيء تجديد للبيعة المقدسة التي جمعت دائما بين الشعب والملك”[16]، وقوله أيضا: “عزمت أن أعطي[17] لبلدي دستورا لأنني شخصيا ديمقراطي الطبع[18]، كما قال والدي رحمه الله عليه في رسالته: “يا بني كن ديمقراطي الطبع[19]، شعبي الميول والنزعات، فأنت تعرف أن أسلافك الأكرمين ما وصلوا إلى الملك قهرا، ولا اقتعدوا العرش قسرا وإنما كان تقدمهم إلى السلطان ضرورة دعت إليها مصلحة الوطن العليا…”[20].
ويرى الملك الراحل الحسن الثاني أن الديمقراطية[21] ليس لها مفهوم واحد عند جميع الدول وذلك من خلال قوله: “إن مفهوم الديمقراطية لا يمكن أن يكون – هو فعلا كذلك- واحدا في كل من لندن وباريس وستوكلهوم وموسكو ونيويورك وطوكيو والرباط”[22].
فيما يتعلق بطريقة وضع الدستور يرى الدكتور عبد الهادي بوطالب أن طريقة وضع الدستور من طرف جلالة الملك لا تعدو أن تكون سوى عملية تحرير المشروع، التي ليست إلا مجرد عملية مادية فنية لا بد منها لإعداد كل مشروع كيفما كانت طريقة إقراره وبالتالي فسلطة الشعب من خلال إحالته المشروع إليه لإقراره هي السلطة التأسيسية التي تمارس وحدها حق الإقرار والمصادقة عن طريق الاستفتاء، وهذا ما قام به جلالة الملك[23].
يسترسل عبد الهادي بوطالب تحليله قائلا: ومن وجهة نظرنا نقول أن الملك والشعب لم يمارسا إلا ما يملكانه من اختصاصات السيادة التي هي من حقهما قبل الدستور انطلاقا من كون الملك هو الممثل لهذه الأمة بل إنه ممثلها الأسمى، لأن الأمة عن طريق البيعة تكون قد فوضت للملك اختصاصات السيادة فهو لا يمكنه أن يضمن وحدتها إذا لم يكن يملك هذه السيادة.
من بين اختصاصات السيادة وضع الدستور وإحالته على الشعب الذي يقتسم معه هذه الاختصاصات للمصادقة على المشروع هذا من جهة، ومن جهة ثانية فالدستور عندما وضع المؤسسة الملكية على رأس كل المؤسسات السياسية الأخرى لا يكون بذلك قد أنشأ هذه المؤسسة بل أقرها استمرارا للتاريخ، عكس المؤسسات الأخرى التي يمكن اعتبارها من صنع الدستور[24].
بخصوص الجدال الفقهي حول السلطة التأسيسية الأصلية نجد أن هناك نظريتين مختلفتين:
– النظرية الأولى: نظرية السيادة الوطنية التي تدعو إلى ضرورة وجود جمعية تأسيسية منتخبة تضع الدستور وأهم منظر لها نجد الدكتور محمد لحبابي في أطروحته الجامعية “الحكومة المغربية في فجر القرن العشرين”.
– النظرية الثانية: نظرية السيادة الملكية التي تجعل الملك هو مالك السيادة استنادا إلى مشروعيته الدينية والتاريخية ومن بين الذين تبنوا هذا الطرح نجد الدكتور عبد الهادي بوطالب كما سلف الذكر في كتابه النظم السياسية العالمية المعاصرة.
ومن وجهة نظرنا فإن النظرية الثانية هي التي تم الاعتماد عليها لصياغة بنود الدستور المغربي إذ أن السلطة التأسيسية حسمت لصالح المؤسسة الملكية.
ومن المتفق عليه بين المختصين في ميدان العلوم السياسية أن من يملك السلطة التأسيسية أي سلطة وضع الدستور، أو السلطة التأسيسية الفرعية أي سلطة تعديل الدستور هو من يتحكم في جوهر السلطة في أي بلد.
في الحالة المغربية معلوم أن جميع الدساتير التي عرفها المغرب قبل دستور 2011 كانت وراء صياغتها المبادرة الملكية، ولم يسجل هذا الأخير أي اختلاف عن سابقيه من الدساتير في هذا الشأن[25].
بانفراد المؤسسة الملكية بوضع أول دستور للمملكة سنة 1962 وبحضورها المكثف في جميع المراجعات الدستورية تكون قد حسمت موضوع السلطة التأسيسية بوجهيها الأصلي والفرعي، حيث صار كل الفاعلين السياسيين يعترفون للمؤسسة الملكية بامتلاك السلطة التأسيسية الأصلية.
بما أن الإجماع حاصل حول شخص الملك ولا أحد يجادل في مشروعيته، وبما أن الملك يحرص على استشارة جميع الأحزاب والهيئات المعنية بذلك دون أن تكون هذه الاستشارة واجبة عليه ولا نتائجها ملزمة له، وبما أن الملك هو صاحب السلطة العليا تاريخيا فليس من الضروري ولا من الممكن أن يتقدم أحد ولو كان شخصا معنويا” جمعية تأسيسية” لانتزاع السلطة التأسيسية من الملك[26].
وعليه فالإشكالية الدستورية في المغرب طرحت منذ حصوله على الاستقلال سنة 1956، فإذا كانت مختلف القوى السياسية آنذاك متفقة على إقامة ملكية دستورية فإنها كانت في خلاف حول مفهوم الملكية الدستورية وبالخصوص حول السلطات الواسعة التي يملكها الملك، مما أدى إلى تأخير إعداد الدستور الذي لم يتم إصداره إلا في أواخر سنة 1962، أي بعد مرور ست سنوات من حصول المغرب على استقلاله، غير أن المغرب لم يجد نفسه في فراغ قانوني حيث كان النظام السياسي المغربي خاضعا لتقاليد دستورية قديمة[27].
وفي هذا المضمار يقول الباحث الفرنسي ريمي لوفو: “إن للمغرب دستورين، الأول مكتوب والثاني دستور ضمني، يفهم من داخل الثقافة السياسية السائدة في المغرب، وإذا كان الأول يعطي للملك صلاحيات واسعة ومحدودة في الوقت ذاته، فإن الثاني يعطي للملك صلاحيات لا حصر لها.
وهذا ما أكد عليه الملك الراحل الحسن الثاني في إحدى خطبه قائلا:”…هناك المنطوق من الدستور والمفهوم منه، فدستورنا ليس فقط تلك الحروف السوداء المكتوبة على الورقة البيضاء، دستورنا هو ما بين السطور، وما بين السطور هو ما ورثناه عن آبائنا وأجدادنا وأسلافنا من عادات وتقاليد وأخلاق…”[28]، لذا فإن المؤسسة الملكية في المغرب تنفرد بسلطة رئيسية في تفسير الدستور وتأويله، وتجعل مكانتها حسب الظروف والحاجة، إما داخل الدستور أو قبله أو خارجه[29].
ويعتبر الدستور وفق أحد تعريفاته المشهورة:” القناة التي تمر منها السلطة من مالكيها أي الدولة إلى خدامها أي الحاكمين[30].
وفي المغرب ومهما كانت الحجج التي تصب في اتجاه تكريس أسبقية الظاهرة الإنسانية على الظاهرة القانونية أي أسبقية الملك على الدستور فإن علاقة الملك بالدستور هي علاقة متكاملة لأن المؤسسة الملكية تمارس اختصاصاتها طبقا للمقتضيات الدستورية[31].
وفي السياق ذاته يرى الملك الراحل الحسن الثاني أن أحسن نظام يمكن أن يعيش فيه المغرب هو نظام الملكية الدستورية، لأن هذا النظام جاء مطابقا للطبيعة البشرية وللأخلاق التي يتوفر عليها المغاربة على حد قوله[32].
لقد كان من الطبيعي في بلاد استقرت فيه الملكية دون انقطاع منذ أكثر من إثنا عشر قرنا، أن يضع الدستور المؤسسة الملكية على رأس المؤسسات.
يمكن القول بأن التوجه الفكري العام الذي تحكم في صياغة الخطاب السياسي لدى الملك الراحل الحسن الثاني يشكل امتدادا بشكل أو بآخر لما سبق أن رسمه والده محمد الخامس، وفي هذا الشأن يذهب جون واتربوري إلى القول أن : ” العاهلين اتبعا أسلوبين سياسيين مختلفين اختلافا كبيرا، لكنهما استعملا نفس التكتيكات الأساسية لحماية العرش”[33].
هذا التوجه الفكري يستند إلى إرث مزدوج:
– إرث الماضي بعاداته العتيقة وتقاليده ومواقفه المرتكزة في جزء كبير منها على الدين.
– إرث بداية الانفتاح على الغرب بآلياته وأدواته التنظيمية المتشبعة بالديمقراطية وروح العلمنة[34].
لقد أنيطت بالملك الراحل الحسن الثاني مهمة أساسية بعد تولي زمام الحكم، تكمن إلى حد بعيد في التوفيق بين هذين الإرثين، ومحاولة إدماج الأدوات القانونية والدستورية التي أبدعها الغرب في سياق محلي، وبعبارة أدق: توظيف مفردات الحداثة الغربية وجعلها في خدمة مفاهيم التراث السياسي الإسلامي.
ويمكن القول كذلك بأن الأصول المرجعية التي تؤسس للفكر السياسي عند الراحل الحسن الثاني كانت لها انعكاسات كبيرة على الوثيقة الدستورية، واستطاعت مفاهيم البيعة وإمارة المؤمنين أن تجد مكانا لها داخل المتن الدستوري، بشكل مباشر “أمير المؤمنين” أو بشكل غير مباشر”البيعة”، وتشكلت من خلالها بعض الأدوات الدستورية التي عملت على تنزيل الصلاحيات الواسعة لسلطة “الخلافة” أو “الإمارة” وإدماجها داخل الحقل الدستوري، مقدمة بذلك أحسن طريقة لتوظيف مفاهيم التراث السياسي الإسلامي لخدمة مركزية السلطة وتجسيدها في شخص أمير المؤمنين[35].
وهكذا فقد كان السلوك السياسي للحسن الثاني ومبادراته المتواصلة لتطوير النظام السياسي للدولة المغربية يستند إلى أسس مرجعية ثابتة في خطابه السياسي، كما أن أفكاره السياسية كانت نابعة من مخزون ثقافي وفكري عميق، تؤسس “لمشروع مجتمعي قائم على بناء حديث لدولة أصيلة ذات كيان عريق تضرب بجذورها في عمق التاريخ”[36].
وقد عبر الملك الراحل عن هذا المنهج في محاضرة له أمام أعضاء الجمعية الوطنية الفرنسية بتاريخ 9 ماي 1996 حين قال: ” هكذا تتطور الدساتير وتطبيقاتها، ليس من باب الرغبة في التغيير، بل لأن الوقت يمر والمجتمع يتغير، ولأن الحياة هي التأقلم، ولكن مع ذلك لا ينبغي أن نخطئ فنقول: إن بعضنا ينقل عن الآخر، ففي المجال الدستوري لا توجد طريقة صناعية لتوفير معامل تقدم مفاتيحها جاهزة للاستعمال، إذ أن مجرد التقليد سيكون شيئا عقيما”[37].
ب- مبدأ فصل السلط عند الملك الراحل الحسن الثاني
فيما يتعلق بمسألة فصل السلطات في فكر الملك الراحل الحسن الثاني فقد أشار في خطابه المؤرخ في 13 أكتوبر 1978 إلى أن فصل السلطات وإن كان ضروريا، فلا يمكن أن يشمل المسؤولية العليا أي أمير المؤمنين، كما أكد على أن السلطات يجب أن تخضع أولا إلى مراقبة الإله وثانيا إلى مراقبة الفرد الذي كلف من طرف الله بتحمل مسؤولية الأمة الإسلامية وأخيرا إلى مراقبة الناخبين[38].
يتضح استمرار مركزية المؤسسة الملكية في الهندسة الدستورية الجديدة، واستمرار نهج سموها على باقي السلطات، وأن الفصل بين السلط لا يشمل المؤسسة الملكية، باعتبارها مؤسسة فوق المؤسسات، وهذا ما أسس له الراحل الحسن الثاني في تأويله الأبوي للفصل بين السلط حيث يقول في إحدى خطبه: “بالنسبة لي ليس هناك فصل السلط أنا أب الجميع، أب المشرع، أب المنفذ”[39]، فأي فصل للسلط لا يجب أن يفهم أنه يشمل المؤسسة الملكية، فهو يشمل فقط المؤسسات الأدنى المتمثلة في البرلمان والحكومة.
يتضح مما سبق أن الملك يرفض مفهوم فصل السلطات الذي نادى به مونتسكيو[40] والذي اعتبر أن القوة لا تقيدها إلا قوة من طبيعتها[41]، فالملك الراحل لا يعتبر أن مهامه من صميم السلطة التنفيذية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى بما أن المؤسسة الملكية فوق المؤسسات الدستورية فوظيفتها تقتضي منها مراقبة السلطات وتحديد مهامها وإعطائها التعليمات اللازمة لأداء واجبها، أما السلطة القضائية فتعتبر بناء على مبادئ الخلافة من مهام أمير المؤمنين الذي يحق له تفويضها إلى القضاة[42]، وهذا الأمر يجعل الملكية بالمغرب ذات طبيعة خاصة، إذ هي لا تشريعية ولا تنفيذية ولا قضائية، بل هي كل العناصر مجتمعة[43].
كان الملك الراحل حريصا أشد الحرص على إبراز أن مبدأ فصل السلط لا ينطبق على مستواه ما دام أنه يستمد سلطته من الله ورسوله ف”مأمورية أمير المؤمنين أن يكون ظل الله في الأرض ورمحه”[44].
وبالتالي فإن عناصر التأويل التي يلجأ إليها الملك تستند إلى المكانة السامية التي يتمتع بها أمير المؤمنين، والتي تجعل منه صاحب الريادة السياسية بحكم الصفة التي يتقمصها، “إذ تمكنه من احتكار سلط لا تحصى ليست لها بالضرورة علاقة بالمجالين الروحي والرمزي، فاحتلال أعلى مراتب الهرم الديني تمكن “أمير المؤمنين” من تحديد مستويات المفاهيم السياسية أيا كانت طبيعتها وموضوعها، كما تجعله يفرض نفسه كمرجعية وحيدة لها الحق في إصدار المعاني والمفاهيم”[45].
لهذا فجميع الدساتير السابقة على دستور 2011 تقر بمبدأ أحادية السلطة الحاكمة، وتؤكد على وجود سلطة سياسية واحدة، ولاعب سياسي رئيسي، منه تستمد كل السلط وكل الفاعلين السياسيين وجودهم ومشروعيتهم وهي التي تحدد إرادتهم، مما يجعل بعض الفقهاء يعتبرون أن وحدة السلطة هي المفتاح الأساسي للنظام الدستوري المغربي.
وعليه فإن مفهوم فصل السلط يلغى ويتحول على مستوى المؤسسة الملكية إلى واقع وحدة السلطة، إذ لا وجود لسلطة فعلية باستثناء سلطة الملك الإمام منبع باقي السلط الممنوحة لمؤسسات المستوى الأدنى.
غير أن الملك الراحل كان شديد الحرص في الوقت نفسه على إشراك باقي الفاعلين السياسيين من خلال بعض القنوات التي “توهم” الآخرين بالمشاركة في السلطة، وذلك عن طريق التواصل الدائم والمستمر مع المحيط السياسي، وكذلك من خلال التعبير عن الرغبة الدائمة لدى الملك في احتواء كل الفعاليات وإشراكها في صناعة القرار السياسي، ودفعها إلى الاهتمام بالشؤون العامة[46].
كما لجأ الملك الراحل إلى خلق بعض القنوات الاستشارية التي تعمل بتوجيه منه والمتخصصة في قضايا معينة مثل المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان سابقا، والذي حل محله المجلس الوطني لحقوق الإنسان في مارس من سنة 2011، والاعتماد على استشارة الأحزاب والحكومة، وكل قناة من هذه القنوات لها أهميتها وقيمتها ومرتبتها تبعا لاختلاف القضايا المطروحة للشورى، وكذا تبعا لقيمتها ومكانتها السياسية أو الدينية أو الدستورية أو لثقلها المعنوي والرمزي والبشري[47].
يبقى البلاط الملكي هو المجال الرئيسي والحيوي الذي يتحرك من خلاله الملك ويتعامل مع الأعباء العامة للدولة ويباشر القضايا العليا للبلاد[48].
ومن خلال البلاط الملكي أيضا يتم التحكم في شؤون المملكة اعتمادا على الديوان الملكي وما يحويه من مستشارين[49] لهم من الخبرة والتجربة ما يؤهلهم لممارسة اختصاصاتهم على الوجه الأكمل، فطبيعة الأعباء والصلاحيات المتعددة للملك تجعله في حاجة إلى فريق عمل ملازم له يزوده بالاستشارات اللازمة، فمن خلاله تصنع القرارات، وحضوره في العديد من القضايا والمجالات المختلفة يعتبر أكبر دليل على دحض مبدأ الفصل بين السلطات.
– وترتيبا على هذا الواقع- ظلت الملكية حريصة على بلورة سموها المؤسساتي من خلال التحكم موضوعيا في الجهازين التنفيذي والتشريعي على اعتبار أن مبدأ فصل السلط الذي يعتبر منطلقا استراتيجيا في المنظومة الديمقراطية، لا يجد له مسوغا نظريا أو فعليا حسب التصور الملكي، فإذ كان هناك فصل للسلطات – يقول الملك الراحل الحسن الثاني- فإنه لا ينطبق على مستوانا بل على المستوى الأدنى.
إذا كان هذا هو مبدأ فصل السلط عند الملك الراحل فماذا عن نفس المبدأ بالنسبة للملك محمد السادس خصوصا بعد طرحه لفكرة “المفهوم الجديد للسلطة”؟
2-المسألة الدستورية ومبدأ فصل السلط عند الملك محمد السادس
تتميز الملكية الدستورية في المغرب في إطار الدساتير المغربية الستة المتعاقبة بذاتية خاصة يتعذر إدخالها في نطاق نموذج من نماذج الحكم سواء في إطار الدساتير العربية أو الدساتير العالمية، ذلك أن الدساتير المغربية أعطت للمؤسسة الملكية وضعية سامقة تجعل من القائم على أمرها محور النظام السياسي والمهيمن على باقي المؤسسات الدستورية ومسيرا لأمور البلاد في الشؤون الداخلية والخارجية[50]، مما يوحي بعدم وجود فصل للسلطات على مستوى المؤسسة الملكية في المغرب خاصة على عهد الملك الراحل الحسن الثاني، فهل هناك استمرارية لنفس المعطى على عهد الملك محمد السادس؟
أ- المسألة الدستورية عند الملك محمد السادس
بما أن الدستور مرتبط بمصالح الناس المتجددة والمتطورة فهو ملزم بمواكبة هذا الجريان والسيرورة ويتم تعديله وتغييره إما عن طريق الشعب الذي أصدره عن طواعية واختيار أو عن طريق الحاكم إذا أجبرته الظروف على ذلك أو رأى في ذلك مصلحة له وللأمة [51].
وفي المغرب الأكيد أن هناك هيمنة شبه مطلقة لحقل إمارة المؤمنين على حقلي التحكيم والدولة الحديثة[52]، والأكيد أيضا أنه الحقل الذي ظل مستبعدا عن أي تعديلات إلا تلك التي من شأنها أن تدعم أو تعزز موقع إمارة المؤمنين، بيد أن رياح “الدستورانية الجديدة” التي لم يسلم منها المغرب على شاكلة غيره من الأقطار العربية الأخرى، وخروج مسيرات 20 فبراير الشعبية التي رفعت من منسوب المطالب السياسية والتي كان من أولى نتائجها زحزحة الفصل 19 من موقعه التاريخي شبه المقدس.
ومن هذا المنطلق توجه الملك محمد السادس في 9 مارس من سنة 2011 إلى الشعب المغرب بخطاب وصف إعلاميا بالتاريخي يقر من خلاله بإجراء تعديل دستوري شامل يستند على سبعة مرتكزات أساسية.
وقد جاء في المرتكز الرابع “توطيد مبدأ فصل السلط وتوازنها، وتعميق دمقرطة وتحديث المؤسسات وعقلنتها من خلال:
– برلمان نابع من انتخابات حرة ونزيهة، يتبوأ فيه مجلس النواب مكانة الصدارة، مع توسيع مجال القانون، وتخويله اختصاصات جديدة، كفيلة بنهوضه بمهامه التمثيلية والتشريعية والرقابية.
– حكومة منتخبة بانبثاقها عن الإرادة الشعبية، المعبر عنها من خلال صناديق الاقتراع، وتحظى بثقة أغلبية مجلس النواب.
– تكريس تعيين الوزير الأول من الحزب السياسي، الذي تصدر انتخابات مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها.
– تقوية مكانة الوزير الأول، كرئيس لسلطة تنفيذية فعلية، يتولى المسؤولية الكاملة على الحكومة والإدارة العمومية، وقيادة وتنفيذ البرنامج الحكومي.
– دسترة مؤسسة مجلس الحكومة، وتوضيح اختصاصاته.
وجاء في المرتكز الخامس: تعزيز الآليات الدستورية لتأطير المواطنين، بتقوية دور الأحزاب السياسية، في نطاق تعددية حقيقية، وتكريس مكانة المعارضة البرلمانية، والمجتمع المدني”[53].
فإن كانت قد اختلفت القراءات ووجهات النظر حول دستور 2011، ما بين مؤيد للمنهجية والمضامين التي جاء بها كخطوة مهمة نحو الديمقراطية، وما بين معارض لهذه المضامين وتوجهاتها، معتبرا أن الإصلاح الدستوري لم يستجب لمطلب إقامة الملكية البرلمانية، حيث يعود الاختلاف في هذا الباب لمستويين من التحليل:
– المستوى الأول: الذي ينظر إلى الإصلاحات من زاوية المقارنة مع دستور 1996، والذي يعتبر أن دستور 2011 هو أكثر تقدما من الدستور السابق من حيث السلطات المخولة لرئيس الحكومة، ومن حيث التفاصيل المتعلقة بضمان الحقوق والحريات الفردية.
– المستوى الثاني: الذي ينظر إلى الدستور الجديد من زاوية المطالب التي تم رفعها من قبل العديد من القوى الديمقراطية والشارع المغربي مع حركة 20 فبراير والذي يخلص إلى أن الدستور الجديد لم يستجب لأهم مطلب ألا وهو إقامة الملكية البرلمانية.
يتضح من المضمون والتعابير التي جاءت في الفصل الأول من الدستور على أن هناك اتجاها نحو تأويل برلماني لطبيعة الحكم في المغرب، غير أن التصورات والآراء والمواقف تباينت بخصوص دستور 2011 بين من يرى أن هذا الدستور قد استجاب ل97 في المائة من انتظاراته[54]، في حين يرى البعض الآخر أن هذا الدستور إنما صنع وهم التغيير، وأنه سيحافظ على اختلال التوازنات بين المؤسسات الدستورية إن لم يؤدي إلى تفاقمها أكثر فأكثر لصالح المؤسسة الملكية[55]، فبالنظر إلى روح الوثيقة الدستورية ومضمونها يلاحظ أنها لا توفر حتى الحد الأدنى لإحداث القطيعة مع نظام السلطة الدستورية الذي يسود فيه الملك ويحكم[56].
وقد تباينت المواقف كذلك فيما يتعلق بالفصل 19 والتي تراوحت بين مطالب ثلاثة:
– مطلب الحفاظ والإبقاء على حمولة الفصل 19: وهو الموقف الذي تبنته الأحزاب اليمينية بما ينسجم مع تصوراتها السياسية التي لم تجعل من التعديل الدستوري مطلبا من مطالبها في أي لحظة من تاريخها، فحزب الأصالة والمعاصرة “الذي يعتبره العديد من الفاعلين السياسيين حزب الملك بامتياز” حيث يستمد نفوذه وقوته من قرب مؤسسه من شخص الملك ومن الدوائر العليا للدولة، فأقصى ما ذهب إليه هو اقتراح تعديلات شكلية تتمثل في استعمال لغة حداثية تترجم مفهوم الملكية المواطنة[57]، أما حزب الاتحاد الدستوري فيرى ضرورة الإبقاء على صيغة الفصل 19 مع تغيير الترقيم وتفكيك الفقرات وتوضيح بعض المهام[58]، في حين دافعت مذكرة حزب التجمع الوطني للأحرار على وضعية أمير المؤمنين بل ذهبت إلى أبعد من ذلك حيث تركت الباب مفتوحا ليحمل الملك صفات أخرى[59].
– مطلب إجراء تعديلات متفاوتة على الفصل 19: وهو الموقف الذي جسده حزب العدالة والتنمية وأحزاب اليسار التي مارست السلطة بعد تجربة حكومة التناوب لسنة 1998، وإن ظلت التعديلات المقترحة متفاوتة بعض الشيء وهو تفاوت يفسره التباين في تبني شعار “الملكية البرلمانية” بشكل صريح وواضح، وجعله مرجعية تأسيسية في صياغة المذكرة، أو تبني شعار آخر تبدو دلالاته أقل حدة من سابقيه، وأكثر حرصا على استمرارية الوضع المتميز والسامق للملكية في الدستور المغربي[60]، فحزب العدالة والتنمية ابتكر مطلب إرساء ملكية ديمقراطية قائمة على إمارة المؤمنين[61] والتي تظل دلالاتها غامضة، أما حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية فقد آثر اعتبار المراجعة الدستورية لبنة أساسية في إقامة ملكية برلمانية وبناء الدولة الحديثة[62]، وهو ما يعني انتهاج سياسة التدرج فيما يتعلق بالإصلاح الدستوري، أما مذكرة حزب التقدم والاشتراكية فقد تبنت مفهوم الملكية البرلمانية دون أن يعني ذلك أن المؤسسة الملكية هي مجرد رمز يكتفي بالمتابعة من بعيد لا يتدخل في حركية المؤسسات، غير أن تدخله لا يجب أن يتعدى وظيفتي التحكيم والتوجيه[63].
– مطلب إلغاء الفصل 19 بشكل كلي من مشروع الدستور: يجسد هذا المطلب حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي الذي دعا في مذكرته بشكل صريح إلى إلغاء الفصل 19 من دستور 1996 وحجته في ذلك أن محتويات هذا الفصل صيغت بعبارات عامة وفضفاضة، أعطت للملك بالإضافة إلى الاختصاصات المخولة له في مختلف أبواب الدستور اختصاصات إضافية واسعة لا حدود لها، الأمر الذي ترتب عليه حسب الحزب استعمال هذا الفصل في المساس باختصاصات السلطة التشريعية وكذا باختصاصات السلطة التنفيذية[64]، وهو موقف يجد تفسيره على المستوى النظري في تبني الحزب للتصور العلماني، وعلى المستوى السياسي بتبني الحزب لمفهوم الملكية البرلمانية، وعلى المستوى الميداني بمشاركة الحزب في الحراك الشعبي الذي عرفه المغرب سنة 2011[65].
فلا يمكن إغفال ما جاءت به الوثيقة الدستورية من مقتضيات مهمة تقوي مكانة المؤسسات السياسية، لكن ليس على حساب اختصاصات الملك ومركزيته على هرم السلطات، وهو ما يجعل من خصائص النظام البرلماني في المغرب لا ترقى إلى مستوى الفصل الحقيقي للسلطات.
ب- مبدأ فصل السلط عند الملك محمد السادس
يرى بعض الفقهاء أن موضوع فصل السلط هو معيار لوجود دستور حقيقي ويستندون في ذلك على إعلان حقوق الإنسان والمواطن بفرنسا[66]، وهو الإعلان الذي أصدرته الجمعية التأسيسية في أغسطس من سنة 1789، ويعتبر الإعلان بمثابة وثيقة حقوق من وثائق الثورة الفرنسية وتعرف فيها الحقوق الفردية والجماعية للأمة.
وفي المغرب لم يعد مبدأ فصل السلط في منطوق الخطاب الملكي يتعلق بالسلط التشريعية والتنفيذية والقضائية فحسب، بل وأضحى أيضا من معالم فصل السلط وتوضيح صلاحياتها تقسيم الفصل 19 من دستور 1996 إلى فصلين اثنين في دستور 2011:
– فصل مستقل يتعلق بالصلاحيات الدينية الحصرية للملك /أمير المؤمنين، رئيس المجلس العلمي الأعلى التي تم الارتقاء به إلى مؤسسة دستورية.
– فصل مستقل ثان تحددت فيه الصلاحيات السياسية الملك /رئيس دولة، المؤتمن على الخيار الديمقراطي، وعلى حسن سير المؤسسات الدستورية، والذي يعلو فوق كل انتماء[67].
يمكن القول أن الدستور المغربي لسنة 2011 جاء متقدما عن سابقيه من الدساتير، لأنه عزز اختصاصات العديد من المؤسسات، وأقر بمبدأ فصل السلط للمرة الأولى في تاريخ الدساتير المغربية. إن التفسير الملكي لأسباب تجزئة الفصل 19 من دستور 1996 تتعلق أساسا بمفهوم فصل السلط الذي يعتبر من المفاهيم المركزية التي سعى دستور 2011 إلى التأكيد عليها وترسيخها، ومن خلال تجزئة الفصل 19 نكون أمام اعتراف دستوري بالسلطة الدينية للملك، وهو ما يدفع بالدستور المغربي إلى الإقرار بالإضافة إلى السلط الثلاث التقليدية المعترف بها في الأنظمة الديمقراطية والمتجلية في السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية بسلطة رابعة هي السلطة الدينية أو سلطة تدبير الشؤون الدينية، وهي سلطة تعد الأهم في بنية نظام سياسي شكل الدين في كل حقبه التاريخية الثابت المركزي[68].
ومن أجل تفعيل مبدأ الفصل بين السلطات في المغرب الذي يعد ضمانة من ضمانات بناء دولة الحق والقانون لكونه يقيم رقابة متبادلة بين الأجهزة والسلطات الحاكمة، فهو يضع “التناقض” في قلب الجهاز الحاكم بالذات ويجبره على إجراء التسويات بين المصالح المتقابلة[69]، من أجل ذلك تم تنصيب المجلس الأعلى للسلطة القضائية من طرف الملك محمد السادس بتاريخ 8 رجب 1438هـ/ الموافق ل 6 أبريل 2017 م، طبقا لأحكام الدستور ولاسيما الفصل 107 منه[70]، وطبقا للقانون التنظيمي المتعلق بذات المجلس، حيث تم تعزيز مكانة القضاء في البناء المؤسساتي الوطني، والارتقاء بالسلطة القضائية إلى سلطة قائمة الذات ومستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية.
وفي هذا الصدد قال مصطفى فارس الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية بمناسبة تعيين أعضاء المجلس: “إنه يوم تاريخي بالنسبة للمملكة المغربية، فبفضل السياسة الحكيمة للملك يكون المغرب قد طبق مبدأ فصل السلط في أسمى صوره”[71].
يعتبر المجلس الأعلى للسلطة القضائية[72] مؤسسة دستورية خولها المشرع المغربي مهمة تدبير شؤون القضاة والسهر على توفير الضمانات الممنوحة لهم في إطار القانون تكريسا منه لمبدأ استقلال القضاء.
وترتيبا على ما سبق فإن الدستور الجديد يكرس بشكل واضح وجلي مبدأ الفصل بين السلط الذي يشكل أحد أهم مرتكزات كل نظام ديمقراطي، من خلال توزيع حكيم وفعال ومتوازن للسلطات، وتعريف واضح للمسؤوليات.
تجدر الإشارة هنا إلى أن النظام الدستوري المغربي يعتبر الظهير الشريف الأداة القانونية التي يمارس بواسطتها الملك مهامه واختصاصاته الدستورية، بينما تمارس الحكومة صلاحيتها بمقتضى مراسيم، ليبقى مصطلح القانون مقتصرا على القواعد القانونية التي يصوت عليها مجلس النواب[73].
وفي هذا الصدد اعتبر علال الفاسي أن الديمقراطية تستدعي بطبيعتها تقسيم العمل بين الحاكمين، لأن تكدس الأمر في يد واحدة أو جهة معينة يعطيها مقدرة هائلة بالنسبة للمحكومين حسب رأيه، وهذه المسألة تدرس في فرنسا منذ القرن الثامن عشر على الشكل التقليدي الذي وضعه مونتسكيو، وهو تقسيم السلطة إلى ثلاثة أنواع: “تشريعية – تنفيذية- قضائية”[74]، وهو ما يسمونه بفصل السلط، بيد أن هذا التقسيم لم يعد مطابقا للواقع العصري، فإذا كان مونتسكيو قد راعى في ذهنه أثناء التقسيم إضعاف الحكم المطلق فإن فكرته قد أدت الدور الواجب لها، غير أن حاجة اليوم تستدعي النظر من جديد في شكل آخر للتقسيم، ولعل من أطيب أنواعه ما اختاره موريس دي فيرجيه من بناء التوزيع على نسبة النفوذ الحزبي في البلاد[75].
في حين اعتبر محمد بن الحسن الوزاني مبدأ فصل السلط أحد الثوابت السياسية التي يؤدي التنصيص عليه واحترامه إلى التجسيد الفعلي لمفهوم الملكية الدستورية السائدة في أدبيات الفقه الدستوري الغربي، لأن هذا الفصل يحقق غايتين أساسيتين تتجليان في:
– إشاعة الحرية في أبعادها المختلفة.
– الحسم في أمر لمن ترجع السيادة .
وأكد محمد بن الحسن الوزاني أن مبدأ فصل السلط لا يتواجد إلا في الأنظمة الدستورية أي التي تقوم على الشرعية الدستورية كمرجعية فلسفية وسياسية لإدارة الشأن العام[76].
ولقد تأرجحت الآراء الفقهية بين مؤيد و معارض لمبدأ الفصل بين السلطات، وذلك لاعتبار المعارضين أنه لا يمكن الفصل بين السلطات لأنها تؤدي وظائف متكاملة، وكما أن تعدد السلطات واستقلالها قد يؤدي إلى توزيع المسؤولية وتجهيلها، وهذا دون إغفال استحالة الفصل لأن الأمر لا يعدو إلا أن يكون طوباويا، ويرد أنصار الفصل على أن الفصل يمنع الاستبداد ويصون الحريات، ويضمن مبدأ المشروعية من خلال الفصل بين المشرع و المنفذ، بالإضافة إلى تقسيم العمل والتخصص فيه.[77]
ومعلوم أن العلاقة بين السلط بالمغرب تتميز بنوع من التعاون والتوازن ولقد ركز المشرع على هذا المعطى في محاولة منه لتثبيت ركائز النظام البرلماني والذي يتميز بهذه الصفة ولقد تعددت آليات التوازن بين السلطة التشريعية و التنفيذية.
تعد المؤسسة الملكية من أبرز المؤسسات داخل البناء الدستوري المغربي، وذلك بفعل الشرعيات المتعددة التي تحاول النهل منها، وبالنسبة لعلاقتها بالسلط فإن لها السمو الكامل لأن الملك هو مصدر السلط و مركزها، ودسترة الملكية ليس إلا تنظيما لهذه السلطات[78]، وفي المقابل فإنه لا يجب قراءة الدستور في بنيته السطحية بقدر ما وجب التغلغل في بنيته العميقة التي تكتنف طابعا تقليديا متعلقا بالاعتبارات الدينية التي تحل فوق الدستورية، حيث يبدو الملك مستعملا التقليد للتموقع بين الدستور والله وللمرور من حقل لآخر ولشغور أي فراغ قانوني[79].
وهذا ما قد يجعلنا نجزم أن المؤسسة الملكية لها السمو على جميع المؤسسات وذلك بفعل السلطات الواسعة للملك من خلال رئاسة المجلس الوزاري أو الأمر بتنفيذ القانون وطلب القراءة الجديدة لمشاريع القوانين ومقترحات القوانين، ورئاسة المجلس الأعلى للسلطة القضائية…، مما يوجب القول على أنه رغم النص في الدستور على مبدأ فصل السلط، فإن تتبع الاختصاصات العديدة التي يمارسها الملك بموجب النص الدستوري يؤدي إلى خلاصة مفادها أن الدستور المغربي لا يؤسس لفصل السلط ولا لملكية برلمانية، بل يجسد الملك رئيسا للدولة بسلطات واسعة في المجال التنفيذي والتشريعي والقضائي، ومؤسسة سامية على جميع المؤسسات[80]، بحكم وضعية الملك التي تسمو على جميع الجهات وقدرته على ضمان استقلال القضاء انطلاقا من كونه سلطة محايدة وضرورية لإقامة التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية[81].
إن أهم إنجازات المجتمعات الحديثة هو مبدأ الشرعية الذي يتجلى في وضع نظام معياري يمكن تسميته بالشرعية القانونية التي تحيل على فكرة ممارسة السلطة السياسية في إطار الحدود الشكلية والجوهرية للقوانين المعمول بها في دولة معينة، واحترامها من قبل الحاكم والمحكوم على حد سواء، ولا يجوز لأي كان خرقها أو انتهاكها، لأنه بذلك يكون قد انتهك حرمة النظام الاجتماعي الذي ليس في حاجة إلى إجماع بقدر ما هو في حاجة إلى رأي الأغلبية[82]، والمؤسسة الملكية في المغرب تعترف بمبدأ الشرعية الوضعية الذي هو من صميم المشروعيات الحديثة، بالإضافة إلى إقرارها بالشرعية الدينية التي تنتمي إلى حقل المشروعيات التقليدية.
[1]ـ نسبت البداية الأولى لظهور فكرة الدستور إلى القرن الثالث عشر، وبالتحديد إلى سنة 1215 عندما منح الملك جون ستير الملقب بجون لاكلاند الميثاق الأعظم المعرف “بماغنا كارتا” للنبلاء الإنجليز الثائرين عليه.
في حين ينسب ظهور المعالم الأولى لفكرة الدستور في الولايات المتحدة الأميركية في القرن السابع عشر عندما وضع الجناح المؤيد للقائد العسكري البريطاني أوليفر كرومويل في المجلس العسكري دستورا لتنظيم السلطة في أميركا.
وقد ظهرت أول الدساتير المكتوبة في المستعمرات البريطانية بأمريكا الشمالية بعد الانفصال عن إنجلترا، كدستور ولاية فرجينيا سنة 1776، ليصدر بعده الدستور الاتحادي للولايات المتحدة الأميركية سنة 1787 ثم تلتها فرنسا بعد المصادقة على إعلان حقوق الإنسان من طرف الجمعية الوطنية سنة 1789، أصدرت أول دستور مكتوب سنة 1791، وقد ارتبطت فكرة إنشاء الدساتير في تلك المرحلة بسياق التطور الذي شهده الواقع وبروز الدعوات المنادية بالديمقراطية وسيادة الشعوب، وتطوير الفلاسفة الفرنسيين لفكرة العقد الاجتماعي، لتبدأ فكرة إنشاء الدساتير المكتوبة في الانتقال إلى دول أخرى، فصدر عدد من الدساتير، في السويد سنة 1809، ثم النرويج وبلجيكا سنة 1831، وإيران سنة 1905 بعد المطالبة به من طرف النخبة السياسية والثقافية، وروسيا سنة 1918، والنمسا سنة 1920، وفي تركيا التي سبق الإعلان عن دستورها سنة 1924 الدستور السابق المعمول به أيام السلطان عبد الحميد الثاني سنة 1908.
أما في البلدان العربية ومن ضمنها المملكة المغربية فقد جاءت فكرة إنشاء الدساتير وكتابتها متأخرة عن الغرب، وارتبطت معظمها بظروف الاستعمار أو بمرحلة ما بعد الاستقلال، باستثناء بعض التجارب، وكانت تونس من أوائل الدول العربية التي كتبت دستورها سنة 1861، وكذلك مصر سنة 1923.
[2]ـ حمدي الرحموني” العهد الجديد: بين موقع الملكية وسؤال تحديث النظام السياسي” رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون العام، تخصص القانون الدستوري والمؤسسات السياسية، جامعة الحسن الثاني، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية الدار البيضاء عين الشق، السنة الجامعية: 2012-2013. ص:86.
[3] ـ عبد العزيز النويضي، الإصلاح الدستوري في المملكة المغربية : القضايا الأساسية، الطبعة الأولى 1426هـ / 2005 م، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، ص: 7.
[4] ـ أحمد بوجداد، الملكية والتناوب: مقاربة لاستراتيجية تحديث الدولة وإعادة إنتاج النظام السياسي المغربي، الطبعة الأولى 2000، ص: 79.
[5] ـ عبد اللطيف مستكفي، طبيعة الإصلاح السياسي والدستوري بالمغرب- مرحلة التسعينات- أطروحة دكتوراه في القانون العام، جامعة الحسن الثاني الدار البيضاء، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، السنة الجامعية 2002-2003، ص: 245.
[6] ـ عبد الجلال مراحي، السياسة الخارجية في الدستور المغربي، دراسة محكمة، منشورات المجلة المغربية للعلوم السياسية، مركز دراسات الوحدة العربية، عدد: 35، صيف 2012، ص: 57.
[7] ـ Abdelhay Moudden, La Réalité du Pluralisme au Maroc, Cercle d’Analyse Politique, les Cahiers Bleus, Ed : Friedrich Ebert Stiftung, Fès, N° : 2, Décembre 2004, p : 10.
[8] ـ مشروع دستور المغرب لسنة 1908 هو أول مقترح دستور للمملكة المغربية، نشر مباشرة بعد عزل السلطان عبد العزيز وبيعة السلطان عبد الحفيظ وفق بيعة مشروطة، وذلك في جريدة “لسان المغرب” التي كان يحررها صحفيون من الشام وكانت تصدر من مدينة طنجة، تكون مشروع الدستور الذي يختلف المؤرخون حول هوية محرريه من 93 مادة، فصلت سلطات الملكية والحكومة والهيئة التشريعية، رغم عدم تفعيله يعتبر مشروع 1908 أول مشروع دستور يذكر مفهوم فصل السلطات.
- [9]ـ محمد معتصم، الحياة السياسية المغربية 1962-1991، مؤسسة إيزيس للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى ماي 1992. ص: 48.
[10]ـ عبد الحق التازي، كفاح الشعب المغربي من أجل دستور ديمقراطي- وثائق مرجعية – مطبعة الرسالة الرباط، طبعة 2012، ص: 7.
[11]ـ مقابلة أجرتها وكالة رويتر للأنباء مع المغفور له محمد الخامس، السجل المغربي المؤرخ في 4 يناير 1956.
[12]ـ مليكة ضيف، تجربة حكومة عبد الله إبراهيم، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية الرباط، السنة الجامعية: 1987، ص: 37.
[13] ـ محمد معتصم، الحياة السياسية المغربية، م.س.ذ. ص: 15.
[14]ـ بخصوص مسألة السلطة التأسيسية للدستور صرح رضى اكديرة المستشار الأكثر قربا وتعبيرا عن التصورات الملكية آنذاك في ندوة صحفية عقدها سنة 1962 قائلا : ” لم يكن ضروريا ولا ممكنا اللجوء إلى جمعية تأسيسية، لم يكن ضروريا لأن الأمة قاطبة عبرت دائما على تعلقها الراسخ بجلالة الملك محمد الخامس ولأنه لم يحصل أبدا أن رفض أحد سلطة محمد الخامس، ولأن الملك الحسن الثاني كأبيه محمد الخامس كان دائما مصمما على استشارة المواطنين والأفراد والأحزاب المنظمة، مع العلم بأن لا شيء يلزمه بذلك…”
[15]ـ عبد العالي حامي الدين، سؤال الانتقال الديمقراطي بالمغرب: المعوقات الدستورية للانتقال، مجلة وجهة نظر، عدد: 23، خريف 2004، ص: 17.
[16] ـ مقتطف من نص الخطاب الذي ألقاه الملك الراحل الحسن الثاني بمناسبة عيد الاستقلال بتاريخ 18 نونبر 1962.
[17] ـ تنشأ الوثيقة الدستورية بطريقتين اثنتين:
– طريقة غير ديمقراطية: (تيوقراطية) كالمنحة، والتي تنتفي فيها كليا مشاركة الشعب، أو عن طريق العقد حيث يشارك الشعب بصفة جزئية.
– طريقة ديمقراطية: يشارك الشعب في وضع الدستور، وهي مرحلة متقدمة في تطور الوعي بالمشاركة الشعبية وضرورة توسعها، وتتخذ هذه الطريقة صفتين: إما بواسطة الاستفتاء أو عن طريق الجمعية التأسيسية. العربي بلا، السلطة والمعارضة ودولة القانون في دول المغرب العربي، أطروحة دكتوراه في الحقوق، شعبة القانون العام، وحدة: القانون الدستوري وعلم السياسة، جامعة القاضي عياض، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية مراكش: أكتوبر 2002، ص: 184.
- [18]ـ في السياق ذاته أعلن الملك الراحل الحسن الثاني في خطاب له إلى الشعب المغربي بمناسبة الأحداث الدامية التي عاشتها مدينة الدار البيضاء سنة 1965 أنه هو من “منح” الديمقراطية للشعب، وأنه لم يكن هناك ما يرغمه على ذلك، وبرر الملك الراحل تراجعه عن تنفيذ وعد والده محمد الخامس بأن يصبح المغرب ديمقراطيا وحديثا، بكون والده لم يكن يعني أن يحرق المراحل ويختصر الزمن، ويسلم الأمة إلى الديماغوجيين. الحسن الثاني ملك المغرب، التحدي، الطبعة الثالثة، المطبعة الملكية الرباط 1995، ص: 111.
[19]ـ قال جلالة الملك الحسن الثاني، المطبعة الملكية بالرباط 1404هـ – 1420هـ / 1983م- 1999م، مقتطف من الندوة الصحفية التي عقدها الملك الراحل الحسن الثاني بالقصر الملكي بمراكش يوم الجمعة 7 مارس 1986/ 25 جمادى الثانية 1406، بمناسبة الذكرى 25 لعيد العرش، ص: 51.
[20]ـ مقتطف من نص خطاب المغفور له محمد الخامس في حفل تنصيب ولي العهد آنذاك الملك الراحل الحسن الثاني بتاريخ 9 يوليوز 1957.
[21]ـ ابتدعت الكثير من الأوصاف فيما يتعلق بكلمة الديمقراطية من قبيل “الديمقراطية الحقة” و”الديمقراطية الشعبية” و “الديمقراطية المسؤولة” و “الديمقراطية الفعلية” و ” ديمقراطية البروليتاريا” و “الديمقراطية الوطنية” هلم جرا، بيد أن أبرزها هذه الأوصاف ما ابتدعه أحد الصحافيين المغاربة ويدعى أحمد العلوي الذي ربط وجود الديمقراطية بشخص الملك الراحل الحسن الثاني حين كان يسميها في جريدة Le Matin التي كان يديرها ب “الديمقراطية الحسنية”.
[22]ـ الحسن الثاني،ملك المغرب، التحدي، م.س.ذ. ص: 124.
[23]ـ عبد الهادي بوطالب، النظم السياسية العالمية المعاصرة، دار الكتاب، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1981، ص: 170.
[24] ـ عبد الهادي بوطالب، النظم السياسية العالمية المعاصرة، م.س.ذ. ص: 181.
[25] ـ سمير بلمليح، رئيس الدولة ورئيس الحكومة في دستور 2011، مجلة مسالك الفكر والسياسة والاقتصاد، عدد: 19-20 /2012، ص: 20.
[26] ـ عبد العالي حامي الدين، سؤال الانتقال الديمقراطي، م.س.ذ. ص: 18.
[27] ـ عمر بندورو، النظام السياسي المغربي، سلسلة القانون العام، مطبعة كوندار أديناور، الطبعة الأولى 1423/2002. ص: 9.
[28] ـ قال جلالة الملك الحسن الثاني، المطبعة الملكية بالرباط 1404هـ – 1420هـ / 1983م- 1999م، مقتطف من خطاب الملك الراحل الحسن الثاني بالقصر الملكي بالدار البيضاء بتاريخ 8 يوليوز 1986/ 1ذو القعدة 1406، بمناسبة عيد الشباب، ص: 58.
[29] – Bernard Cubertafond, Le Système Politique Marocain, éd : l’harmattan, Paris, 1997, p : 88.
[30] ـ أندري هوريو، القانون الدستوري والمؤسسات السياسية، ترجمة علي مقلد، الأهلية للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، بيروت لبنان 1977.ص: 43.
[31] ـ نجيب حجيوي، سمو المؤسسة الملكية بالمغرب، – دراسة قانونية- تقرير حول أطروحة دكتوراه في الحقوق، وحدة القانون الدستوري وعلم السياسة، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية الرباط، – أكدال- السنة الجامعية: 2000-2001. ص: 8.
[32]ـ الملك الحسن الثاني في ذاكرة الأجيال العربية، دولة الإمارات العربية المتحدة، مركز زايد للتنسيق والمتابعة، مكتبة الأدب العربي، أبو ظبي 2001، ص: 18.
[33]ـ جون واتربوري، أمير المؤمنين: الملكية والنخبة السياسية المغربية، ترجمة: عبد الغني أبو العزم، عبد الواحد السبتي، عبد اللطيف الفلق، مؤسسة الغني للنشر، الرباط المغرب، الطبعة الثالثة 2013. ص: 105.
[34]ـ عبد العالي حامي الدين، المسألة الدستورية في الفكر السياسي المغربي المعاصر، أطروحة دكتوراه في القانون العام، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، الرباط أكدال، السنة الجامعية: 2001-2002. ص وص: 227- 228.
[35] ـ عبد العالي حامي الدين، الإسلام وتكوين الدولة العربية الحديثة: دراسة للتجربة الدستورية المغربية، مركز نماء للبحوث والدراسات، الطبعة الأولى 2015، بيروت لبنان. ص: 421.
[36]ـ عباس الجراري، منهج التوفيق في الفكر الحسني بين الأصالة والتجديد، مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية، دورة أبريل 2000، ج:1، ص:64.
[37]ـ محمد معتصم، التركيب الخلاق بين الأصالة والتجديد في الفكر الدستوري والممارسة الحسنية للحكم، مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية، دورة أبريل سنة 2000، الجزء:1، ص: 128.
[38]ـ عمر بندورو، النظام السياسي المغربي، م.س.ذ. ص: 5.
[39] ـ مقتطف من خطاب الملك الراحل الحسن الثاني الذي ووجه إلى نواب الأمة بتاريخ 9 أكتوبر 1987.
[40]ـ يقرر شارل دي مونتسكيو في كتابه روح القوانبن أن السلطة التشريعية قد تنحو منحى طغيانيا كالسلطة التنفيذية، لذلك فهو من أنصار البرلمانات التي لا تمكث طويلا، ورفض أن يكون من حق السلطة التشريعية استجواب أعضاء السلطة التنفيذية أو إسقاطها، وإنما من حقها أن تتقصى الطرق التي يتم بها تنفيذ القوانين ومعاقبة الوزراء الذين يطبقون القوانبن بطريقة غير سليمة، أما السلطة التنفيذية فيجب أن تكون بيد الملك كي تدار بكفاءة بدلا من الأكثرية، وليس من حق السلطة التنفيذية الاشتراك في المناقشات البرلمانية، ولكن من حقها أن تدعو الهيئة التشريعية إلى الانعقاد أو تأجيل انعقادها أو فض جلساتها، أما السلطة القضائية فيجب ألا تتكون من جهاز دائم بل من أشخاص مختارين من عموم الشعب، أي أنها يجب أن تكون مؤقتة تجتمع في أيام محددة وفقا للقانون.
[41]ـ قحطان أحمد سليمان الحمداني، النظرية السياسية المعاصرة، دار ومكتبة الحامد للنشر والتوزيع، الأردن عمان 2003، ص:131.
[42]ـ عمر بندورو، النظام السياسي المغربي، م.س.ذ. ص:6.
[43]ـ منعم أقتيب، خصوصية الملكية في النسق السياسي المغربي، مجلة وجهة نظر، عدد: 50 خريف 2011، ص: 26.
[44]ـ حسن أهويو، التقليد والتحديث في النظام السياسي المغربي، أطروحة دكتوراه في القانون العام، جامعة محمد الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية وجدة، السنة الجامعية: 2005-2006، ص: 111.
[45]ـ محمد الطوزي، الملكية والإسلام السياسي، ترجمة محمد حاتمي وخالد الشكراوي، نشر الفنك الدار البيضاء 1999.ص: 68.
[46]ـ عبد العالي حامي الدين، المسألة الدستورية في الفكر السياسي المغربي المعاصر، م.س.ذ.، ص – ص: 271-272.
[47]ـ محمد العمراني بوخبزة، البعد الديمقراطي في الفكر السياسي لجلالة الملك الحسن الثاني، أطروحة دكتوراه في القانون العام، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال الرباط، السنة الجامعية 1998، ص: 98.
[48]ـ محمد شقير، القرار السياسي في المغرب، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى 1992.ص: 31.
[49]ـ كلمة مستشار، كوصف لوظيفة كبار المسؤولين داخل البلاط الملكي، لم تظهر إلا في عهد الملك الحسن الثاني، أما فيما قبل فقد كان الحاجب والصدر الأعظم يقومان بما يشبه هذا الدور، وفي بعض الحالات تضخم دور الحاجب والصدر الأعظم حتى أصبح هو الآمر الناهي داخل المملكة يملي على السلطان ما يجب فعله أو تركه. ولنا في الآداب السلطانية المخزنية الكثير من الحالات التي كانت فيها شخصية الصدر الأعظم أكثر حضورا وقوة في تقرير مصير المملكة من الملك نفسه.
في هذا السياق يخبرنا الراحل عبد الهادي بوطالب، وهو أحد مستشاري الملك الراحل الحسن الثاني، أن مستشار الملك هو جليسه، وبالتالي فهو ما بين المرتبتين: الصديق والمؤنس.
يقول بوطالب في كتابه “نصف قرن في السياسة” أن الملك الحسن الثاني لما استدعاه مع أربعة من مستشاريه: أحمد رضا اكديرة، وإدريس السلاوي، وأحمد بن سودة، خاطبهم بالقول: “ستكونون مستشارين لي بالديوان الملكي… والمستشارون هم خلصائي وجلسائي المقربون إلي، فلا أختارهم إلا من بين الذين يعرفونني ويعرفون توجهاتي وممن لا يضايقني أن أستقبلهم ولو في غرفة نومي وحتى من دون أن أكون قد غادرت الفراش”.
[50]ـ مصطفى قلوش، النظام السياسي المغربي- المؤسسة الملكية – شركة بابل للطباعة والنشر والتوزيع، الرباط، طبعة 1996-1997. ص: 12.
[51]ـ خليل عبد الكريم، الإسلام بين الدولة الدينية والدولة المدنية، سينيا للنشر القاهرة مصر، الطبعة الأولى 1995، ص: 16.
[52]ـ محمد ضريف، النسق السياسي المغربي المعاصر – مقاربة سوسيو- سياسية- مطابع إفريقيا الشرق، الطبعة الأولى 1991. ص: 204.
[53]ـ مقتطف من خطاب 9 مارس 2011 بمناسبة تعديل الدستور.
[54]ـ مقتطف من كلمة عبد الواحد الراضي أمام المجلس الوطني للاتحاد الاشتراكي المنعقد بتاريخ 18 يونيو 2011.
[55]ـ رقية المصدق، وهم التغيير في مشروع الدستور الجديد، مؤلف جماعي، تنسيق عمر بندورو، دفاتر وجهة نظر، عدد: 24، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2011، ص: 61.
[56]ـ محمد مدني، الدستور الجديد ووهم التغيير، دفاتر وجهة نظر، عدد: 24، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء الطبعة الأولى 2011، ص: 85.
[57]ـ مذكرة حزب الأصالة والمعاصرة في موضوع المراجعة الدستورية، الدستور الجديد للمملكة المغربية 2011، سلسلة نصوص ووثائق، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، الطبعة الأولى 2011، ص: 78.
[58]ـ مذكرة حزب الاتحاد الدستوري في موضوع المراجعة الدستورية، الدستور الجديد للمملكة المغربية 2011، سلسلة نصوص ووثائق، منشورات م.م.إ.م.ت، الطبعة الأولى 2011، ص: 118.
[59]ـ مذكرة حزب التجمع الوطني للأحرار في موضوع المراجعة الدستورية، الدستور الجديد للمملكة المغربية 2011، سلسلة نصوص ووثائق، منشورات م.م.إ.م.ت، الطبعة الأولى 2011، ص: 58
[60]ـ خالد عبد العالي، السلطة التشريعية على ضوء دستور 2011 المستجدات الدستورية وتأثيراتها على الوظيفة التمثيلية، أطروحة دكتوراه، جامعة عبد الملك السعدي، كلية العوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية طنجة، السنة الجامعية: 2016-2017. ص: 123.
[61] ـ مذكرة حزب العدالة والتنمية في موضوع المراجعة الدستورية، الدستور الجديد للمملكة المغربية 2011، سلسلة نصوص ووثائق، منشورات م.م.إ.م.ت، الطبعة الأولى 2011، ص: 42.
[62]ـ مذكرة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في موضوع المراجعة الدستورية، الدستور الجديد للمملكة المغربية 2011، سلسلة نصوص ووثائق، منشورات م.م.إ.م.ت، الطبعة الأولى 2011، ص: 104.
[63] ـ مذكرة حزب التقدم والاشتراكية في موضوع المراجعة الدستورية، الدستور الجديد للمملكة المغربية 2011، سلسلة نصوص ووثائق، منشورات م.م.إ.م.ت، الطبعة الأولى 2011، ص: 135.
[64] ـ مذكرة حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي في موضوع المراجعة الدستورية، الدستور الجديد للمملكة المغربية 2011، سلسلة نصوص ووثائق، منشورات م.م.إ.م.ت، الطبعة الأولى 2011، ص: 147.
[65]ـ خالد عبد العالي، السلطة التشريعية على ضوء دستور 2011، م.س.ذ. ص: 125.
[66]ـ أحمد بوجداد، الملكية والتناوب: مقاربة لاستراتيجية تحديث الدولة وإعادة إنتاج النظام السياسي المغربي، الطبعة الأولى 2000. ص: 79.
[67]ـ مقتطف من الخطاب الملكي الموجه إلى الأمة والمتعلق بعرض مشروع دستور 2011 على الاستفتاء بتاريخ 17 يونيو 2011.
[68]ـ خالد عبد العالي، السلطة التشريعية على ضوء دستور 2011، م.س.ذ. ص: 9.
[69]ـ العربي بلا، السلطة والمعارضة ودولة القانون في دول المغرب العربي، أطروحة دكتوراه في الحقوق، شعبة القانون العام، وحدة: القانون الدستوري وعلم السياسة، جامعة القاضي عياض، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية مراكش: أكتوبر 2002. ص: 214.
[70] ـ ينص الفصل 107 من الدستور على أن: ” السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التنفيذية وعن السلطة التشريعية، الملك هو الضامن لاستقلال السلطة القضائية”
[71] ـ مقتطف من كلمة مصطفى فارس الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية بمناسبة تعيين المجلس.
[72]ـ ينص الفصل 56 من الدستور على ما يلي: ” يرأس الملك المجلس الأعلى للسلطة القضائية”، وينص الفصل 115 من الدستور على أن: “المجلس الأعلى للسلطة القضائية يتألف من:
– الرئيس الأول لمحكمة النقض، رئيسا منتدبا.
– الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض.
– رئيس الغرفة الأولى بمحكمة النقض.
– أربعة ممثلين لقضاة محاكم الاستئناف، ينتخبهم هؤلاء القضاة من بينهم.
– ستة ممثلين لقضاة محاكم أول درجة، ينتخبهم هؤلاء القضاة من بينهم.
– ويجب ضمان تمثيلية النساء القاضيات من بين الأعضاء العشرة المنتخبين، بما يتناسب مع حضورهن داخل السلك القضائي، وفق مقتضيات المادتين 23 و 45 من هذا القانون التنظيمي.
– الوسيط.
– رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان.
– خمس شخصيات يعينها الملك، مشهود لها بالكفاءة والتجرد والنزاهة، والعطاء المتميز في سبيل استقلال القضاء وسيادة القانون، من بينهم عضو يقترحه الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى.
[73] ـ مصطفى قلوش، النظام السياسي المغربي، م.س.ذ. ص: 20.
[74]ـ بالنسبة للسلطة القضائية فقد أكد علال الفاسي في كتابه الشهير “النقد الذاتي” على ضرورة توافر مجموعة من الأمور من أجل ضمان استقلالية القاضي في أحكامه وقد أجمل هذه الأمور فيما يلي:
– اعتبار أن الإمام هو الذي يعينه وقيمته ليست أقل من الوزراء ورجال الدولة.
– أن لا يكون لغير القانون عليه سلطان.
– أن لا يكون منصب القاضي في مهب الريح أي أنه يسهل عزله.
– أن يكون له من ميزانية الدولة ما يصلح حاله، حتى لا يمتلئ بالطمع و التطلع لما في أيدي الناس. للمزيد من التفاصيل حول موضوع السلطة القضائية راجع: علال الفاسي، النقد الذاتي، المطبعة العالمية، القاهرة جمهورية مصر العربية، الطبعة الأولى 1952، ص: 154.
[75]ـ علال الفاسي، النقد الذاتي، م.س.ذ. ص:144.
[76]ـ بوبكر شقير، الفكر السياسي المغربي بين الاتجاهات السلفية والليبرالية، الطبعة الأولى 2009، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، ص: 99.
[77]ـ المصطفى قاسمي، القانون الدستوري الحديث، الطبعة الأولى 2004، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، ص – ص: 75- 76.
[78]ـ محمد أشركي، الظهير الشريف في القانون العام المغربي، دار الثقافة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1983. ص: 168.
[79]ـ حسن طارق، الربيع العربي والدستورانية، قراءة في تجارب المغرب، تونس، مصر، الطبعة الأولى 2014، ص: 90.
[80]ـ محمد الرضواني، مدخل إلى القانون الدستوري، سلسلة بدائل قانونية وسياسية، الطبعة الأولى 2014، ص: 138.
[81] -Mustapha Shimi, La Notion de Constitution au Maroc, Thèse de Doctorat, Université Mohamed V , Faculté des Sciences Juridiques, Économiques et Sociales, Rabat, année Universitaire : 1984, p : 273.
[82] ـ محمد ضريف، الحركة الإسلامية: النشأة والتطور، منشورات الزمن، كتاب الجيب، الطبعة الثانية 1429 -2008، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء. ص: 57.