المدرسة الوطنية للتجارة و التسيير ،جامعة عبد المالك السعدي ، المملكة المغربية
إن لفظ وطن من بين الألفاظ التي ألفنا سماعه كثيراً في كل الفضاءات والأماكن وعند حضور أي ندوة أو محاضرة، وبصفة عامة كل ما كان هناك حث ودعوة إلى ضرورة إصلاح أحوال الناس، إلا أن البعض يتصور الوطن مكاناً جغرافيا لا أكثر، وبهذه الطريقة يتم حصره في عنصر من بين العناصر العديدة التي يحتويها هذا اللفظ، لذا نجد أهمية بالغة في مقاربته وسبر غوره والكشف عن عناصره الأخرى. بالإضافة إلى بعده الجغرافي بمعنى دلالته على مساحة احتضنت شعباً ما ومنحت له فرصة العيش، كذلك ينطوي مفهوم الوطن على شعب يملك ويتقاسم نفس الذاكرة التاريخية، هذه الأخيرة تتشكل من كل الأحداث والوقائع التي قد تكون انتصارات، هزائم، مسرات محن، أزمات… التي عاشها شعب معين، إلى جانب ما راكمه هذا الشعب من تقاليد وعادات وقيم وفولكلور محلي وما ابتكر من لغات وجد نفسه يوظفها في تواصله اليومي وما أبدع من فن وتراث، إجمالاً يعني مفهوم الوطن كل تلك التجارب التاريخية التي كان مسرح أحداثها مجال معين إلى حد ميزته عن الأوطان الأخرى، عندها يصبح الوطن كما فات أن أشرنا أعلاه ذلك المشترك Le Commun بين قاطنيه، ما يحتم عليهم حمايته والحفاظ عليه، خدمته والدفاع عن مصالحه في الداخل وفي الخارج، وأي نجاح تحقق يعلي من شأن الوطن عند الأوطان الأخرى وكل فشل يجعل من الوطن محط سخرية الآخر، لذا يصبح هم قاطني الوطن الحرص على تقدمه وازدهاره وهذا الحرص هو ما نسميه بالمواطنة الجيدة.
يعتبر الولاء للوطن من أساسيات المواطنة الجيدة، تتم المواطنة به وتنعدم بدونه، لذلك يجب على من يريد ممارسة المواطنة ألا يقدم الولاء لغير الوطن، على اعتبار أن الوطن فوق الكل، هو السماء التي تتوحد تحتها كل الأطياف والجماعات والعشائر والطوائف والملل، وبالتالي يجب القطع مع هذه الأشكال من الولاءات التي تؤجج الصراعات داخل الوطن وتجعله عرضة للفتن والحروب والصراعات، بل تمنح الفرصة الثمينة للأعداء لزرع بدور الفرقة. ليس في المطلق عيب أو إشكال في أن يحتفي ويفتخر الناس بانتماءاتهم العائلية والعرقية لكن العيب كله عندما تقدم الطاعة والولاء لهذه الانتماءات على حساب الوطن فتصبح أوطان داخل وطن واحد، أما الحق هو أن الوطن سبق هذه الانتماءات وشكل الفرصة التاريخية لتوحيد الشتات وتحقيق الأهداف التي تضمن لسكانه العيش في أمن وسلام ورفاهية وازدهار، فلا مذهب إلا مذهب الوطن ولا انتماء إلا لوطن واحد.
عندما نعي أن الوطن هو المشترك بيننا، هو تاريخنا، هو الهوية التي تجعل الآخر يرانا بعين الإعجاب أو الازدراء، عندما نعلم أن الولاء لا يكون إلا لهذا الوطن ونرسخ ذلك في أذهاننا، يصبح بالتالي على عاتقنا أن نجعل من عيشنا وممارساتنا اليومية خدمة ومساهمة في رصيد تقدم هذا الوطن، وليعلم الجميع أن مهما كان الموقع الذي يشتغل منه يمكن أن يجعل منه فرصة لخدمة الوطن، فمن يمكن أن يتصور غياب عامل النظافة ليوم واحد عن الحي ؟ وقس على ذلك كل من كُلِفَ بدور خدمة المصلحة العامة، لكن على كل من يوجد في موقع يعمل فيه أن يقوم بذلك بجدية عالية وبنكران الذات، و أن يضع نصب عينيه أن العمل الذي يقوم به يساهم به في خدمة الوطن، وأن يدرك أن ما يعيشه من الرفاه والرخاء أو من بؤس وكساد فهو من فعل الآباء والأجداد، وبالتالي فما سيقدمه للوطن سيكون إرثا وتركة للأبناء والأحفاد، يعني استمرارية هذا الوطن.
ليس فقط من يشتغل من داخل الفضاءات التي خلقت واعتمدت لخدمة المصلحة العامة هو المحتكر لذلك، فحتى المقاول يمكن أن يسخر مقاولته لخدمة الصالح العام، كيف؟ بحرصه على أداء الواجبات الجبائية، وأن يدرك أن بسلوكه هذا يساهم في تحقيق التنمية الاجتماعية، ومنح الفرصة للآخرين خاصة الضعفاء والمحتاجين بأن يعيشوا في كرامة ورفاهية، فتقاعس المقاول عن أداء واجبات الضرائب يعني تراجع الدولة عن أداء دورها في القطاعات الاجتماعية من صحة وتعليم وسكن وتشغيل. كذلك على المقاول أن يلتزم بواجباته تجاه الشغيلة من خلال أداء أجورهم وتعويضهم عن كل ساعات العمل الإضافية، وعدم مساومتهم في العطل التي منحها لهم القانون، فاحترام الآخرين والاعتراف بحقوقهم في حد ذاته تعبير عن المواطنة الصالحة.
يعتبر اهتمام الفرد بالشأن العام في حد ذاته ممارسة للمواطنة، لأن ذلك ينم عن حرصه الكبير على معرفة كل ما له علاقة بالصالح العام، ووعيه بأن ذلك الشأن شأنه وعليه أن يهتم به كما يهتم بالأشياء التي يملك، كذلك بهذه الممارسة يقوم بمراقبة وتتبع حصيلة أعمال من انتخبه لتمثيله داخل مؤسسات الدولة، لكي تكون له فكرة بخصوص ما سيقوم به في الانتخابات القادمة هل سيعيد انتخابه أم يفضل غيره وهذا المعنى الجوهري لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة الذي يفقد قيمته إذا لم يكن للمواطن اهتمام بما يجري في تدبير الشأن العام، لذلك عليه أن يقيم السياسات المطبقة في الواقع وتأثيرها على حياته.
تمارس المواطنة كذلك بالانتماء السياسي، لأن داخل التنظيمات السياسية يمكن للمواطن أن يعبر على وجهات نظره وآرائه التي يمكن أن تساهم في تحسين أوضاع الناس، بشرط أن تعمل هذه التنظيمات السياسية على احتضان أفكار المنتمين إليها وتشجعهم على ممارسة فعل سياسي هادف وإيجابي يكون شعاره الارتباط المتواصل بهموم المجتمع وطرح البدائل. يجب أن تكون هذه التنظيمات السياسية مجالاً رحبا لحرية التعبير وأن تؤسس لثقافة الكل سواسية والأفضل من يقترح ويبادر أنفع الأفكار والبرامج. أما إذا كانت ميداناً خصباً لمظاهر الفساد من زبونية ومحاباة وشراء الذمم فهذا يعني أنها غير صالحة إطلاقاً للفعل السياسي وممارسة المواطنة الصالحة، وبالتالي بات حرياً على من له النية الصادقة في المساهمة في التقدم أن يفك ارتباطه بمثل هذه التنظيمات ويغير وجهته لتلك التي تناسب مبادئه وخصاله السياسية وهي موجودة لكن تحتاج للتشجيع والدعم، أما إذا واصل واستمر في الانتماء فهذا يعني أنه طبع مع الفساد وقرر أن يكون طرفاً فيه، إلا إذا كان في وسعه أن يقود حركة تصحيحية ويصلح الوضع وهذا نادرا ما يحدث، وحتى إن حدث فإن لصاحبه في الغالب مآرب أخرى.
يمكن للمواطنة أن تُمارس كذلك حتى داخل الإطار الضيق الذي يعيش فيه الفرد، من خلال انضمامه أو تأسيسه للوداديات والجمعيات التي تنهض بشؤون الأحياء والأزقة، بحيث تعمل هذه الجمعيات على التواصل مع المنتخبين وإخبارهم بالواقع الذي يعيشه السكان ثم اقتراح حلول للإصلاح، إنها تملأ فراغاً لا يجب أن يكون وتحتاج إلى الدعم وتقوية صفوفها حتى تشكل تعبيراً صادقاً وقويا على حاجيات السكان. إلا أنه لا يمكن لهذه الجمعيات أن تساهم في التغيير إذا انصرف الناس عنها وتركوها خاوية على عروشها إلى أن تأفل وتغلق أبوابها، يجب أن تصبح ثقافة نعتاد عليها بحيث ينشأ أفراد الحي داخلها، هي بالتالي فرصة حقيقية وثمينة لتعلم الفعل السياسي الإيجابي والبناء والنتيجة هي أن تكون أحياؤنا والأوساط التي نعيش فيها بديعة ورائعة، بل آسرة وأخاذة.
في نهاية هذا الكلام، لن أفوت فرصة طرح تساؤل درجت على طرحه في غير هذا الموضع ولن أمل أو أستنكف عن إعادة طرحه، والتساؤل هو كالتالي: لماذا تم حذف مادة التربية على المواطنة من مقررات التعليم؟ لقد كانت فرصة لنا للتعرف على مبادئ تؤسس للمواطنة الصالحة من قبيل المجتمع المدني، العمل الجمعوي، الحقوق والحريات … وغيرها من القيم والأسس البناءة للعيش الكريم، من فكر في حذفها أعطى الانطباع أن تعاليمها محدودة ومن السهل الإحاطة بها، إلا أنه كان يمكن الإبقاء عليها وفتح المزيد مما تحتويه من قارات معرفية، إنها كانت مناسبة متاحة للتلميذ للتشرب والارتواء من قيم المواطنة، لكن تم الإجهاز على هذا المشروع ولم نحصل لحدود الآن على تفسير حول ذلك.