جائحة كورونا (كوفيد19) من منظور الواقعية السياسية: التحديات الراهنة والتحولات الممكنة

0
عبيد الحليمي، طالب باحث بسلك الدكتوراه، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاس
تطرح جائحة كورونا العديد من الإشكاليات في حقل العلاقات الدولية، والتي تضع الدول أمام متغير جديد لم تألفه منذ الحرب العالمية الثانية، بالنظر إلى التداعيات التي أحدثها فيروس كورونا (كوفيد19)، سواء من خلال الإجراءات التي فرضها على الدول داخليا كإعلان حالة الطوارئ الصحية بما يترتب عنها من تقييد حركة الأشخاص والحجر المنزلي والتباعد الاجتماعي، أو من خلال انعكاساته الأخرى كانعزالية الدول بعد إغلاق الحدود وتعطيل حركة المواصلات البرية والبحرية والجوية، بما في ذلك، طغيان السلوك الأناني للدول، ناهيك عن النقص في المعلومات وخفوت أدوار المؤسسات الدولية عكس دور الدولة التي بدت كفاعل رئيسي ومحوري في مواجهة الوباء.
ورغم أن البشرية واجهت أوبئة مشابهة منذ الحرب العالمية الثانية[1]، إلا أنها لم تصل خطورتها إلى المستوى الذي خلفه وباء كورونا، بحكم أن تلك الأوبئة تمت محاصرتها في البؤر العالمية التي ظهرت فيها، بينما وباء كورونا انتشر بشكل سريع بسائر الدول[2]، الأمر الذي نتج عنه تغير طارئ في مجريات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لمختلف ساكنة المعمور، إضافة إلى ما أحدثه من ارتباك وخوف جماعي من الخطر الوبائي المهدد لمصير الإنسانية، فترتب عنه بروز العديد من التأويلات والقراءات المتضاربة المسائلة للمنظومة الدولية التي بدت هشة أمام العدو غير المرئي.
من هذا المنطلق، سنعالج الأزمة الوبائية من منظور الواقعية السياسية، باعتبارها من أهم النظريات المهيمنة بحقل العلاقات الدولية، وذلك بغية اختبار البراديغم المعرفي الواقعي في زمن الأوبئة، ومعرفة ما إن كانت النظرية الواقعية ذات راهنية أم أنها لا تتضمن الإجابات عن الإشكاليات التي طرحتها الجائحة، وهذا ما سيدفعنا إلى مساءلة المسلمات والافتراضات النظرية للواقعية السياسية من قبيل الفوضى الدولية، بما تنتجه من خوف وانعدام اليقين في نظام دولي غير دقيق بمعطيات منقوصة، أي توظيف الأدبيات الواقعية في زمن الوباء لفهم التحديات التي تواجه الدول والتحولات الممكنة لعالم ما بعد الوباء.
أهمية الموضوع
تكمن أهمية الموضوع في راهنية الواقعية السياسية بمختلف اتجاهاتها النظرية في زمن الجائحة، فالواقعية تهتم بما هو كائن لا بما ينبغي أن يكون، أي أنها غير معنية بالشكل الذي يجب أن يكون عليه العالم، بقدر ما أنها تسلم بفضوية النظام الدولي، وبالتالي فتداعيات كورونا على نسق العلاقات الدولية تسائل الطرح الواقعي، من حيث أنه يقدم منظورا شاملا حول طبيعة السلوك الدولي لحظة السلم أو الحرب، وهو السلوك المحكوم بهواجس الخوف والأنانية والسعي نحو الأمن والبقاء في نظام دولي غير دقيق ومتسم بالصراع والتنافس بين الدول، الأمر الذي يعني بأن الجائحة هي محطة لاختبار النظرية الواقعية، بالنظر إلى أهميتها كنظرية مهيمنة على حقل التنظير بالعلاقات الدولية لعقود من الزمن من جهة، ولأنها تهتم بالمتغيرات الواقعية التي تواجه السياسة الدولية من جهة ثانية.
 إشكالية الموضوع:
تحاول هذه الدراسة الإجابة على الإشكالية التالية : إلى أي حد يمكن تفسير المتغيرات الناتجة عن كورونا من منطلق الواقعية السياسية؟ وتتفرع عن هذه الإشكالية عدة أسئلة فرعية من قبيل: ما مدى راهنية الواقعية السياسية في زمن الجائحة؟ ما هي أهم المنطقات النظرية للواقعية السياسية؟ ما هي التحديات التي تواجه الدول في زمن الجائحة؟ وما هي التحولات المحتملة لعالم ما بعد كورونا؟ وما هي المقاربة الواقعية للأوبئة؟
فرضية الموضوع:
تنطلق هذه الدراسة من فرضية أساسية مفادها بأن وباء كورونا يفترض استحضار المنطلقات الواقعية في حقل العلاقات الدولية، بغية مواجهة التداعيات الناتجة عن كورونا والمفترض أن تؤثر على السياسة الدولية حاضرا ومستقبلا، بالنظر إلى طبيعة النظام الدولي الفوضوي الذي لا توجد فيه سلطة عليا لإنقاذ الدول من الخطر الوبائي، فيفرض عليها اتخاذ إجراءات كفيلة بحماية أمنها والحفاظ على بقائها، كما يحتم عليها إتباع سياسات ناجعة لضمان قوتها ومكانتها بالنظام الدولي الذي يشهد عدة قوى ذات أهداف وطموحات تعديلية للنظام الدولي أو الإقليمي.
منهجية الموضوع :
بغية معالجة الموضوع سنوظف المنهج التاريخي من خلال الوقوف على سوابق دولية تاريخية مشابهة ومدى تأثيرها في تاريخ العلاقات الدولية، وسنستعين بالمنهج الاستنباطي من خلال الانطلاق من العام إلى الخاص، وأيضا الاستقراء من خلال تجميع معطيات تاريخية بغية التوصل إلى أحكام ومبادئ عامة، كما سنستعين بالمنهج النسقي لغاية مقاربة الموضوع وفق نظرة شمولية ومحاولة الإلمام بالعوامل المؤثرة في التحولات المحتملة لعالم ما بعد الجائحة.
خطة الموضوع
سنقسم هذه الدراسة إلى ثلاثة محاور رئيسية:
المحور الأول : المنطلقات النظرية للواقعية السياسية في حقل العلاقات الدولية
المحور الثاني : وباء كورونا (كوفيد19) والواقعية السياسية.. التحديات والأولويات
المحور الثالث : التحولات الواقعية الممكنة لعالم ما بعد كورونا
المحور الأول: المنطلقات النظرية للواقعية السياسية في حقل العلاقات الدولية
يتفق الواقعيون في مقاربتهم للسياسة الدولية على أنها مجال للصراع والتنافس الدولي، سواء عبر الصراع العسكري أو عبر أشكال أخرى كالتنافس الأمني وسباق التسلح والمنافسة الاقتصادية والتجارية، وتنقسم الواقعية إلى نوعين: واقعية الطبيعة البشرية؛ وواقعية الفوضى الدولية، حيث ينطلق الطرح الأول من كون الطبيعة البشرية تميل إلى الصراع على الطريقة الهوبزية بسبب نزعة الشر المتأصلة في الإنسان والتي يجسدها قادة الدول، بينما يذهب الاتجاه الثاني إلى كون الفوضى الدولية هي التي تسبب المعضلة الأمنية، كما أن الدولة هي وحدة التحليل عند الطرح الأول، في حين أن النظام الدولي هو الوحدة الأساسية للتحليل والمتسم بالفوضى الدولية عند الطرح الثاني[3].
ويمثل الصنف الأول ما يعرف برواد الواقعية الكلاسيكية أمثال هانس مورغانتو وريهانلد نيبور وإدوراد هاليت كار ونيكولاس سبيكمان وريمون آرون وفردريك شومان؛ بينما ينتمي للصنف الثاني الواقعية الجديدة (البنيوية أو الهيكلية) والاتجاهات الواقعية لما بعد الواقعية الجديدة لكينت والتز، كالواقعية الهجومية (جون ميرشايمر، إيريك لابس، فريد زكريا، راندل شويللر) والواقعية الدفاعية (ستيفن والت؛ ستيفن فان إيفيرا، روبرت جيرفيس؛ باري بوزان؛ جاك سنايدر) والواقعية الكلاسيكية الجديدة (جيديون روز، توماس كرينستن، وليام وولفرت) والواقعية الجيبلينة نسبة إلى روبرت جيبلن، وواقعية الفوضى الناضجة، والاتجاه الدفاعي-الهجومي، “والواقعية الليبرالية”، والواقعية المشروطة (شارلز غلاسر)..
الفرع الأول: الافتراضات الواقعية
تنطلق الواقعية السياسية من مجموعة من الافتراضات، والتي تطورت مع تطور الاتجاهات الواقعية جراء النقاشات النظرية الكبرى بحقل العلاقات الدولية، سواء بين الواقعية والنظريات الأخرى أو بين الواقعيون أنفسهم، ويمكن إجمالها وفق ما يلي:
أولا: إن الدولة هي الفاعل الرئيسي والوحيد بحقل العلاقات الدولية، لأنها تحتكر حق استخدام القوة بشكل مشروع، “فإذا ما تعرض الشعب للعنف فإنه يلتجئ إلى سلطات الدولة لتدافع عنه، بينما في النظام الدولي لا شرعية لاستخدام العنف وتعتمد الدول على نفسها لسد عنف الغير”[4].
ثانيا: إن النظام الدولي نظام فوضوي، أي “أن الدول مقيدة بنظام فوضوي البنية”[5]، والفوضوية عند الواقعيين لا يقصد منها بأن النظام يمزقه الاضطراب، بل هي “مبدأ تنظيمي يقول إن النظام يتألف من دول مستقلة لا توجد سلطة مركزية أعلى منها”، لذلك تبقى “السيادة متأصلة في الدول لعدم وجود كيان حاكم أعلى في النظام الدولي”[6].
ثالثا: إن الهدف الأسمى للدولة هو الحفاظ على البقاء. لأجل ذلك، تسعى دائما لتعظيم قوتها والحفاظ على أمنها.
رابعا: إن الدول لا تثق في بعضها البعض، وليس هناك ما يثبت بأن الدول تحمل لبعضها البعض نوايا عدائية أو حسنة، فيمكن أن يكون لأحدها نيات سليمة تجاه دولة في وقت معين، وشريرة في وقت أخر.
خامسا: إن الدولة فاعل عقلاني ماهر، حيث تتصرف وفق حسابات عقلانية بغية تحقيق أهدافها والحفاظ على مصلحتها، وتدرك بأنها تتعامل مع نظام دولي غير دقيق بمعطيات منقوصة، حيث يكون “لأعدائها فرصة لإخفاء نياتهم الحقيقية عنها”[7].
إن الدولة هي الحجر الأساس في الدراسات الواقعية، بينما الفواعل الأخرى (المنظمات الدولية؛ المؤسسات الأممية؛ الشركات المتعددة الجنسيات؛ الأفراد..) تظل ثانوية حسب الواقعيين، لذلك فالدولة تعمل بكامل إمكانياتها لتكريس وجودها عبر وسيلة القوة في النظام الدولي الفوضوي، وتتصرف بطريقة عقلانية وفقا لما تبتغيه من تحقيق الربح أو الخسارة، لأجل ذلك فإنها:
أ. تميل إلى الاعتماد على الذات للحفاظ على مصالحها وتحقيق غاياتها، أي أن النظام الدولي ذاتي المساعدة، حيث تفضل الدول مصالحها الخاصة على مصلحة النظام الدولي ككل، لأن المصلحة القومية للدولة هي من أهم الأولويات.
ب. تهتم بتوزيع القوة بين الفاعلين بصفته هو “المحدد الأساسي للسياسة الخارجية للدول من جهة والسياسة الدولية بالنظام الدولي من جهة ثانية”[8]، والقوة عند الواقعيين ذات مدلول شامل وواسع، حيث يشمل مدلولها الاقتصاد بجل مكوناته (الثروة؛ السكان؛ المساحة الجغرافية؛ القدرات التصنيعية؛ التطور التكنولوجي والعلمي..) وأيضا القوة العسكرية بكل مقدراتها (الجيوش والعتاد..) وأنواعها وخطورته التدميرية.
من هذا المنطلق، فإن الافتراضات والمفاهيم الواقعية تؤكد حضورها القوي في زمن الوباء، على سبيل المثال، تؤكد جائحة كورونا حقيقة فوضوية النظام الدولي من خلال غياب سلطة عليا لإنقاذ الدول من خطر الفيروس القاتل، بما في ذلك عودة الدولة بشكل قوي وبروز السلوك الأناني للدول من خلال اهتمامها بمصالحها الخاصة بغية ضمان الحق في البقاء، كما يتأكد أيضا مسألة عدم اليقين والنقص في المعلومات وتضاربها بشأن حقيقة الوباء، بما في ذلك غياب المعطيات الدقيقة حول طبيعته، الأمر الذي فتح المجال للمقاربات المتعددة، منها القائلة بأن الوباء هو بمثابة حرب بيولوجية بين القوى العظمى، ومنها المتشبثة بكون الوباء فيروس طبيعي شأنه شأن باقي الأوبئة التي عرفها التاريخ، بينما الثابت هو التوظيف السياسي لوباء كورونا من طرف القوى الدولية.
الفرع الثاني: القوة عند الواقعيين
يوظف الواقعيون مفهوم القوة الصلبة التي ترتكز على الأداة العسكرية “والتأثير بالتهديد والضغط”[9]، حيث يقسم جون ميرشايمر John J. Mearsheimer  القوة إلى نوعين، القوة الكامنة (المساحة الجغرافية الشاسعة؛ عدد السكان الهائل؛ الثروة؛ الموقع الجغرافي؛ التصنيع) والقوة العسكرية، إذ “تشكل الأولى أساس الثانية”، لكنه يرى بأن الدول الغنية ليست بالضرورة هي دول قوية، لأنها تعتمد في أمنها على الغير (نموذج اليابان)، لهذا فإنه يركز على المعيار العسكري في تعريفه للقوة، والتي تتكون من أربعة أنواع “البرية والبحرية والجوية والنووية”، في حين يعتبر “القوة البرية هي المكون الأساسي للقوة العسكرية”[10]، بحكم أن المعارك تحسم بقوة الجيوش في الميدان.
على غرار ذلك، يوظف جوزيف ناي Joseph Nye  مفهوم القوة الناعمة التي ترتكز على مصادر الدولة الثلاث “ثقافتها (حيث تجتذب الآخرين) وقيمها السياسية (حين تتمسك بأهدافها سواء في الداخل أو الخارج) وسياستها الخارجية (حين يراها الآخرون مشروعة وذات سلطة معنوية)”[11]، كما يضيف مفهوم “القوة الذكية”[12]، التي توصف بالقدرة على الجمع بين القوة الصلبة والقوة الناعمة، ورغم أن جوزيف ناي هو من رواد المدرسة الليبرالية المؤسساتية، فإنه يوصف “بالواقعي الليبرالي”، لأن مفهومه للقوة الناعمة عالجه قبله رواد الواقعية التقليدية كإدوارد هاليت كار وهانس مورغانتو “الذي قصد بها السيطرة على عقول الآخرين وأفعالهم”[13]، لذلك تعد مساهمة جوزيف ناي وروبرت كيوهن مجرد “تعديلا للواقعية أكثر من كونه إطار عمل لفكر جديد يمكن أن يحل محل الواقعية”[14].
كما ظهر  مفهوم القوة الحادة التي ارتبطت “بالدول السلطوية التي تريد أن تمارس التأثير العالمي بنفس الأساليب التي تستخدمها في الداخل”[15]، وهو وصف أطلقه كريستوفر والكر وجيسيكا لودفيك Christopher Walker and Jessica Ludwig على التأثير الصيني والروسي على العلاقات الدولية[16]، بينما برز في عصر الانترنت ما يعرف بالقوة الالكترونية، ومفادها “امتلاك المعرفة التكنولوجية والقدرة على استخدامها، من خلال استغلال الفضاء الالكتروني للتأثير على الأحداث التي تجري عبر البيئات التشغيلية”[17]، إذ يرتبط هذا النوع من القوة حسب جوزيف ناي بثلاثة فاعلين “الدولة.. الفاعلين من غير الدول.. الأفراد”[18]، في حين أفرزت كورونا مفهوما جديدا للقوة، أو ما يعرف “بالقوة الحيوية”[19]، حيث يصبح العاملون بالقطاع الطبي جنود بالميدان في مواجهة العدو غير المرئي، فتصير المستلزمات الطبية الضرورية من أهم مكونات هذه القوة كالأدوية واللقاحات والبنيات التحية الطبية وعدد الآسرة..
وعلى الرغم من التعدد في أشكال القوة، إلا أن المفهوم الصلب هو أهم أشكالها، فالجيش والاقتصاد هما عماد قوة الدول، وضمنهما يمكن توظيف الأنواع الأخرى في المنافسة الدولية، سواء بالتحكم الإلكتروني والهجمات السيبيرنيتية وعمليات القرصنة، أو بالتأثير الناعم أو الحاد بالقيم والثقافة، أو عبر العقوبات الاقتصادية والحروب التجارية، أو من خلال الهجمات الإعلامية واستعمال الدبلوماسية الناعمة والتسويق للنماذج السياسية القوية، بما معناه أن كل هذه المظاهر تنجلي بوضوح في زمن الوباء، حيث أثبتت الجائحة حقيقة هذا الصراع، خاصة بين الولايات المتحدة الأمريكية وخصومها كالصين وإيران وكوريا الشمالية، في حين أفرزت كورونا فهما جديدا للقوة، حيث نجحت نماذج عالمية ككوبا وهونغ وكونغ وتيوان وسنغورة وكوريا الجنوبية في التصدي للوباء رغم أنها لا تمتلك مقومات القوة الصلبة[20].
على هذا الأساس، فإن وباء كورونا يضع مفهوم القوة أمام محاولات إعادة التعريف، فلم يعد القطاع الصحي قطاعا ثانويا، بل أضحى حيويا، بالنظر  لأهميته في الحفاظ على البقاء، لأن دوره في زمن الأوبئة لا يقل أهمية عن دور الجيوش في زمن الحروب، ناهيك عن ما يرتبط بالمنظومة الصحية من مجالات أخرى ذات أدوار محورية في مواجهة الأوبئة، كالبيولوجيا وعلم الفيروسات والتكنولوجيا الحيوية والكيمياء والطب، إضافة إلى المتطلبات الأخرى الضرورية كالأغذية والزراعة والمستلزمات الطبية الكافية (عدد الآسرة؛ أجهزة الكشف؛ الأدوية؛ الكمامات؛ أجهزة التنفس الاصطناعي..)، ثم متطلبات القوة التي فرضها الوباء لضمان صيرورة الحياة الطبيعية كالبنيات التكنولوجية والتقدم الإلكتروني والإمكانيات الاقتصادية المتاحة لتدبير الأزمة (احتياطي العملة؛ الناتج الداخلي الخام؛ الميزانيات الصحية؛ الإنتاج الصناعي؛ الثروة الاقتصادية..).
وقد ساهمت الواقعية السياسية بمختلف اتجاهاتها في إغناء حقل العلاقات الدولية بالعديد من المقاربات النظرية للسياسة الدولية، إذ رغم أنها لم تهتم بالأوبئة، فإنها تثبت حضورها القوي في زمن كورونا، من خلال ما يتأكد من قوة النموذج المعرفي الواقعي في تفسير المتغيرات الناتجة عن الجائحة، بما في ذلك الحضور الواقعي لنظريات التوازن (التوازن من خارج المجال؛ التوازن الناعم، توازن المصالح..) جراء التداعيات الدولية للوباء، أي بسبب الاتهامات المتبادلة بين الغرب والصين بشأن الوباء، أو نتيجة الإكراهات التي واجهت الدول الصغرى في معركتها ضد الوباء، أو بالنظر لحاجة بعض الدول -خاصة الدول الصغرى- إلى التقارب والتكتل لمواجهة التحديات الجماعية الناتجة عن تداعيات الجائحة، لكن هذا لا يعني بأن الوباء هو المتغير الرئيسي المؤثر في الأحداث الدولية، بل هناك متغيرات أخرى سابقة على ظهوره، وتطرح كورونا العديد من التحديات والممكن أن تؤدي إلى تحول في النموذج المعرفي الواقعي لعالم ما بعد كورونا، في الاتجاه الذي يعزز المقاربة الواقعية لمشاكل أخرى تنتقد عليها بسبب عدم إيفائها أهمية “كالحرائق والفيضانات المتكررة والجفاف والمجاعة والزلازل والإعصار والأوبئة والمناخ”[21].
المحور الثاني: وباء كورونا (كوفيد19) والواقعية السياسية.. التحديات والأولويات
لم تشكل الأوبئة موضوعا محوريا عند الواقعية السياسية، ولم يخصص روادها دراسات أو كتابات كثيرة لمعالجة موضوع الأوبئة وتأثيرها على نسق العلاقات الدولية، بقدر ما أنهم اهتموا بالصراع والتنافس بين الدول في بيئة دولية فوضوية تتسم بعدم اليقين وغياب الثقة، أي أن الأوبئة ليست لها دور في تغيير البنية الفوضوية للنظام الدولي أو ذات أدوار محدودة ومؤقتة على ميزان القوة المؤدي إلى صعود أو انهيار القوى الدولية، لهذا فإن موضوع الأوبئة بالنسبة للواقعيين هو موضوع ثانوي في سلم الأولويات عندهم مقارنة بالتنافس العسكري والاقتصادي، والصراع على القوة والنفوذ والعقبات الدائمة للتعاون الدولي[22].
وقد أكد جون ميرشايمر John J. Mearsheimer  بأن هذه المشكلات – الأوبئة والأمراض والتغير المناخي والنمو السكاني المنفلت – هي متغيرات ثانوية، إذ رغم أنها تحديات مثيرة للقلق، إلا أنها مشكلات من الدرجة الثانية، وحتى إن أصبحت أحد هذه التهديدات خطيرا إلى درجة قاتلة، فليس هناك ما يؤكد بأن “القوى الدولية ستتصرف بطريقة جماعية”، فقد تكون هناك “حالات تتصرف فيها الدول بطريقة جماعية، لكن توجد أدبيات تؤكد بأن مثل هذه المشكلات تؤدي أيضا إلى الحرب بين الدول”[23].
الأمر الذي يرجح فرضية ظهور العديد من الصراعات والنزاعات الإقليمية في عصر الأوبئة وما بعدها، بالنظر إلى تداعياتها الوخيمة على السياسة الداخلية والدولية، ورغم أن وباء كورونا يفرض على الدول –  الإفريقية والأوربية نموذجا –  تعاونا دوليا لمواجهة آثاره السلبية، خصوصا في ما يخص الأدوية والمستلزمات الطبية والأغذية بغية تحقيق استدامة غذائية تقلل من التفاوتات الاجتماعية، وتساهم في “حماية البيئة والصحة الإنسانية والحيوانية”[24]، فإن ذلك لا ينفي حقيقة التنافس الدولي والإقليمي، والمرجح أن يتصاعد حدته خصوصا بمناطق النزاع الحالية.
وعليه، فجائحة كورونا تؤكد على أهمية الواقعية السياسية في نسق العلاقات الدولية باستحضار المنطلقات السالفة الذكر أعلاه، من قبيل اعتبار الدولة هي الفاعل الرئيسي في حقل العلاقات الدولية والاعتماد على الذات لغاية الحفاظ على الحق في البقاء، ثم مسألة التعاون الدولي لمواجهة الوباء الذي يعصف بالجميع، وأخيرا تحديد الأولويات الداخلية والخارجية.
الفرع الأول:  مركزية الدولة في العلاقات الدولية
أثبتت جائحة كورونا بأن الدولة لا زالت هي الفاعل الرئيسي في مواجهات الأزمات، أكثر من ذلك، اتضح بأن الدولة هي الفاعل الوحيد في مواجهة الأزمة مقارنة بفاعلين آخرين، هذا الأمر لم يتجلى فقط في ما يخص الجانب المتعلق بالأدوار المرتبطة بالدولة في العصر الحالي، بل استرجعت الدولة أدوارها التقليدية بصفتها المتدخل الأوحد في مواجهة التبعات الناتجة عن الأزمة، “وهي التي تقود اليوم حصرا تقريبا المعركة ضد انتشار هذا الفيروس”[25].
إن أزمة كورونا أعادت من جديد السؤال حول الدولة وأولياتها في العصر  الحالي، بما في ذلك تدخلها في جميع مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كما بينت الجائحة بأن القطاعات التي ظلت في واجهة المعركة مع الوباء هي التي ترتبط بشكل تبعي للدولة، كالجيش والأمن ومراقبة الحدود وغيرها.. في حين ظهر جنود من نوع خاص في مواجهة الوباء، ويتعلق الأمر بالأطباء والممرضين أو ما أصبح يطلق عليهم بالجيش الأبيض، الأمر الذي يؤكد بأن هذا القطاع صار له أدوار مشابهة لدور الجيش في المعارك العسكرية أو الشرطة في تحقيق الأمن الاجتماعي.
أضف إلى ذلك، أن دورها لم يتوقف فقط في القضايا المرتبطة بإغلاق الحدود وفرض حالة الطوارئ وتدخلها في القطاع الصحي، بل شملت أيضا جميع المجالات الأخرى، كالتعليم والشغل والاقتصاد، سواء من خلال فرض نظام التعليم عن بعد والعمل عن بعد، أو من خلال تدخلها الاقتصادي لدعم وإنقاذ الشركات الصغرى والمتوسطة من الإفلاس، “وربما قد تضطر إلى شراء أصول الشركات الخاصة بسبب تعرض الكثير منها للإفلاس”[26].
الفرع الثاني: الاعتماد على الذات
تضع كورونا الدول أمام واقع جديد، متسم بانكماش الدول على نفسها لمواجهة تداعيات الجائحة بنفسها، الأمر الذي يؤدي بها إلى الاعتماد على نفسها لتدبير الأزمة، لأنه لا توجد سلطة يمكن اللجوء إليها إذا ما تفاقم التفشي الوبائي، أكثر من ذلك، فالوباء يهدد الدول بالانهيار والزوال، ولا خيار أمامها إلا المواجهة، ما دامت جل دول العالم منشغلة بمعركتها ضد هذا العدو غير المرئي، الأمر الذي يفرض عليها تحقيق الاكتفاء الذاتي في المتطلبات الضرورية لمواجهة الوباء، بما في ذلك، “التحرر من التبعية للخارج في ما يتعلق بالأمن الدوائي والصحي”[27].
أكثر من ذلك، فإن كورونا تعزز الطرح الواقعي بشأن طبيعة النظام الدولي غير الدقيق، “فالجائحة لم تكشف عن كل أسرارها وما تزال الكثير من التساؤلات بشأنها دون إجابات، ويعزى ذلك لشح المعطيات والمعلومات، وصعوبة فحصها وتصنيفها في عصر البيانات الضخمة”[28]، لهذا فالدول ملزمة بتطوير إمكانياتها الذاتية المتعلقة بالبحث العلمي والابتكار والاختراع المتعلق بالمستلزمات الطبية لتحقيق اكتفاء ذاتي يغنيها عن طلب المساعدات أو مواجهة النقص في المستلزمات الضرورية لمواجهة الجائحة، خصوصا مع بروز السلوك الأناني للدول المرتبط بالإحجام عن تقديم المساعدة تارة، أو برفض التعاون تارة أخرى.
إن الاكتفاء الذاتي للدول في زمن الجائحة لا يقتصر فقط على المتطلبات الضرورية التي تحتاجها كل دولة لمواجهة الأزمة بعد إغلاق الحدود والإعلان عن حالة الطوارئ، وإنما ترتبط أيضا بالتداعيات الممكن أن تنتج عن الجائحة في المستقبل، بما في ذلك الأزمات الاقتصادية المتوقع أن تؤدي إلى الفقر والبطالة والكثير من المشاكل الاجتماعية، ناهيك عن تطوير آلياتها الذاتية في المجال العسكري والأمني والاستخباراتي لمواجهة الأخطار المستقبلية التي سيطرحها عالم ما بعد كورونا، أي ضرورة الاحتفاظ بقوتها في محيطها الإقليمي والدولي.
الفرع الثالث: أهمية التعاون الدولي وضرورة تطوير آلياته
على الرغم من التسليم بأهمية التعاون الدولي وضرورته في زمن الجائحة، فإنه تواجهه عقبات كثيرة بسبب السلوك الأناني للدول، لذلك فبنية النظام الدولي المتسمة بالفوضى تؤثر بشكل أو بأخر على التعاون الدولي، وحسب الواقعية الجديدة عند كينيت والتز (الهيكلية أو البنيوية) فالدول تعتمد على نمط مصلحي ذاتي تميل من خلاله إلى “تفضيل المساعدة الذاتية على التعاون الدولي”[29]، بينما تتجه الواقعية الدفاعية -نموذج ستيفان والت- إلى القول بأن الدول تسعى إلى تحقيق الأمن بدل الزيادة في القوة، وبذلك فإن “الأمم تعمل على توسيع مصالحها في الخارج عندما تتعرض للتهديد”[30]، وهذا ما يشكل حافزا على التعاون الدولي، ويفرض على الدول نهج سلوك تعاوني بغية تعطيل الآليات التي تشجع على نهج السلوك العدواني، وأيضا السيطرة على الأخطاء اللاعقلانية الممكن أن تؤدي إلى الحرب.
وتطرح كورونا العديد من القضايا التي تقتضي تعاونا دوليا للتغلب عليها، لعل أبرزها تبادل الخبرات والمعلومات العلمية المتعلقة بالوباء، والإدلاء بالمعطيات الصحيحة عن الحالة الوبائية، ثم التعاون في مجالات البحث العلمي والصحي، بما في ذلك التداعيات التي ستحدثها كورونا على اقتصاديات الدول كالأمن الغذائي والبيولوجي والسيبيرنيتيكي والزراعي، حيث “بات التعاون الإقليمي والدولي أكثر إلحاحا وأهمية من أي وقت مضى”[31]، وسيكون ذلك كابحا لأي نزوع نحو سباق التسلح بين الدول الممكن أن يهدد استقرار المجتمع الدولي، لأن الدول ستحتاج لبعضها البعض لتحقيق التكامل في شتى المجالات، أما الانعزالية فستؤجج النزعات الهوياتية والقومية العدائية.
وهناك العديد من الآليات لإنجاح التعاون الدولي، أولها هو أن تتجه الدول لتوظيفه في الاتجاه الذي يخدم مصلحتها، أما الثانية فهي “المعاملة بالمثل والتي تشكل حافزا على التعاون”[32]، إضافة إلى ذلك، فالدول ستكون ملزمة بابتكار آليات لحماية مصالحها الخارجية والداخلية، وذلك من خلال البحث عن تحالفات دولية لتلبية احتياجاتها الداخلية وحماية مصالحها الخارجية، خصوصا وأن “عالم اليوم متشابك ومترابط” المصالح، إذ لا تستطيع أي دولة العيش بمعزل عن باقي الدول الأخرى، ويمكن أن يتم ذلك عبر المؤسسات الدولية، لكن “سيظل التنافس الأمني قائما ما بين الدول”[33]، “خصوصا القوى العظمى التي ساهمت في إرساء قواعد تلك المؤسسات”، وقد تشكل كورونا فرصة لإعادة رسم قواعد جديدة للتعاون في عالم ما بعد الأزمة بغية التغلب على التداعيات والتبعات التي ستخلفها الجائحة على جميع الدول.
الفرع الرابع:  الأولويات الداخلية والخارجية
لاشك بأن وباء كورونا كشف عن العديد من الاختلالات في المنظومة الدولية وأيضا على المستوى الداخلي للدول، فقد أثبت عن فشل النموذج النيوليبرالي المعولم، الذي ينبني على نظام السوق الحرة وسياسة الخصخصة، ناهيك عن تقليص أدوار الدولة لتنتقل إلى الشركات والفاعلين الآخرين[34]، الأمر الذي نتج عنه الكثير من المشاكل بعد تخلي الدول على القطاعات الاجتماعية كالصحة والتعليم ودعمها للقطاع الخاص، خاصة بالدول النامية، حيث أكدت كورونا بأن هذا القطاع عاجز عن مواكبة التداعيات الناتجة عن الوباء، وبأن الدولة أضحت المتدخلة بشكل أساسي في جميع المجالات، سواء من خلال دعم الشركات المهددة بالإفلاس، أو من خلال تدبيرها للأزمة الصحية بالاعتماد على آلياتها التقليدية.
هذا الواقع يحتم على الدول تحديد الأولويات في زمن الوباء وما سيليه من تداعيات في ما بعد، فالدول وجدت نفسها أمام واقع غير مألوف، يقتضي منها التعاطي مع الأزمة عبر  مؤسساتها وأجهزتها، مما يفرض عليها إعادة النظر في سياساتها العمومية، من خلال تقوية المؤسسات وإعادة الاعتبار  للقطاعات الحيوية التي تشكل عماد الاستقرار  والتنمية والتقدم كالصحة والتعليم والبحث العلمي، بينما يشكل الوباء فرصة للدول النامية لتقييم السياسات المرتبطة بالمؤسسات المالية والاقتصادية العالمية (البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، منظمة التجارة العالمية)، بغية تطوير اقتصادها وتنويعه وتحديثه ورقمنته في الاتجاه الذي يعزز أدوار الدولة، ويقوي أسسها بغية مواجهة التحديات التي يطرحها الوباء والأزمات المشابهة له.
من جانب أخر، فإن الوباء يفرض على الدول تحديد الأوليات في ما يتعلق بسياستها الخارجية، بما في ذلك الاستفادة من الفرص التي يطرحها الوباء أمام الدول النامية، عبر  حل الخلافات الثانوية الموروثة عن الاستعمار، وإعادة هيكلة التحالفات عبر أرضيات المصالح المتبادلة وتنويع الشركاء، مع ضرورة توجيه بوصلة السياسة الخارجية في الاتجاه الذي يقوي موقع هذه الدول بالمؤسسات الدولية والإقليمية، بما في ذلك تشكيل تكتلات إقليمية جديدة تؤدي إلى تقوية الموقع الدولي لهذه الدول، كي يكون لها وزن وتأثير مستقبلي على السياسة الدولية بدل أن تكون ضعيفة وتابعة.
المحور الثالث: التحولات الواقعية الممكنة لعالم ما بعد كورونا
كثيرة هي التكهنات بعالم ما بعد كورونا، بعضها يتجه إلى القول بأن العالم سيتغير كثيرا وسينبثق عنه نظام عالمي جديد، البعض الأخر يقدم نظرة تفاؤلية بشأن المستقبل، من خلال توقع عالم أكثر سلما وأمنا، بينما أراء أخرى تتنبأ بعالم أكثر تعاونا وتضامنا بين الدول، من خلال تكثيف الجهود الدولية على جميع المستويات لمواجهة الأخطار الجماعية التي تهدد الإنسانية، في حين تؤكد اتجاهات أخرى بأن كورونا سينتج عنها عالم منقسم، ونظام دولي تقوده أقطاب متصارعة حول الهيمنة والقيادة العالمية..
إن جل هذه التوقعات تنطلق من مسلمة مفادها أن كورونا (كوفيد 19) سيغير العالم، “وتنذر بتحول جذري في السياسات الدولية، واستبدال الحلفاء”، مما قد ينتج عنه بروز نظام دولي جديد مختلف عن النظام الحالي، أكثر من ذلك، فإن البعض من هذه التحليلات تدرج كورونا ضمن الحروب غير التقليدية بين القوى العظمى، وهذا الأمر يعتبر “مبالغة كبيرة” حسب بعض خبراء العلاقات الدولية، بحيث أن العالم “أمام وباء وليس معركة عالمية قائمة على الانتقام والعداء”[35]، فكيف يمكن قراءة التحولات الممكنة لعالم ما بعد كورونا من منظور الواقعية السياسية؟
الفرع الأول: الأوبئة وبنية النظام الدولي
ينطلق الواقعيون في مقاربتهم للسياسة الدولية من الواقع كما هو لا كما ينبغي أن يكون، ومن مسلمات مفادها أن بنية النظام الدولي قائمة على الصراع والسلوك الأناني للدول، وذلك يؤثر على العلاقات الدولية حاضرا ومستقبلا، إذ مهما وقعت من تحولات، فإنها ستشمل تغيرات على مستوى القوة، أي زيادة في القوة النسبية لهذه الدولة ونقصانها لدولة أخرى، أو ظهور قوى دولية وإقليمية جديدة منافسة على النفوذ والهيمنة الإقليمية، بينما النظام الدولي سيظل فوضوي مادام هناك غياب سلطة فوق الدول، أي إذا ما تغيرت معادلة القوة بالنظام الدولي، فإنه ينتج عنها تحولات عميقة في السياسة الدولية، خصوصا إذا وقع اختلال في توازن القوة بين القوى العظمى، وهذا ما لا تؤشر عليه كورونا في الوقت الراهن، لأنه ليس هناك ما يثبت بأن كورونا ستؤثر على القوى العظمى الحالية، فالتأثير الحاصل الآن يقع بنفس المستوى تقريبا بين الجميع، وينحصر بدرجة أولى في ما يعرف عند الواقعيين بالقوة الكامنة (الاقتصاد، السكان، الثروة).
ويتعزز هذا الطرح من خلال ما يلي:
أولا: إن انهيار الاتحاد السوفياتي لم يساهم في تغيير بنية النظام الدولي الموروثة عن الحرب الباردة، بل ظلت على نفس الشاكلة، كما أن هذا الانهيار لم يغير العالم في الاتجاه الذي يعمه السلام، “فالفوضى الدولية لم يمسسها تغيير، ما يعني أنه لم تحدث أي تغييرات في سلوك القوى العظمى”[36].
ثانيا: إن أي تغيير لطبيعة النظام الدولي (عدد القوى الكبرى المهيمنة على النظام) كان نتاج الحرب بين القوى العظمى (نموذج نظام ما بعد الحرب العالمية الأولى، ونظام ما بعد الحرب العالمية الثانية)، أرغمت المنهزم على الخنوع، وأدت بالمنتصر إلى تشكيل عالم ما بعد الحرب، لكن الحرب مستبعدة الحدوث في عالم اليوم لأسباب مرتبطة بامتلاك القوى العظمى للسلاح النووي، وأي حرب عسكرية مباشرة بينها ستؤدي إلى الدمار الشامل أو ما أطلق عليه في الحرب الباردة ب”بعالم التدمير المتبادل المؤكد”، بمعنى أخر الأسلحة النووية تقلل “إمكانية اندلاع حروب القوى العظمى بشكل كبير”[37]، لكنها لا تلغيها بشكل نهائي وفق الواقعيين الهجوميين. وحتى انهيار الاتحاد السوفياتي سنوات التسعينات لم يؤدي إلى التغيير في النظام الدولي الذي تم إرساء قواعده بناء على مخرجات الحرب العالمية الثانية، بل ظل نظام الأمم المتحدة قائما بذاته، وعادت روسيا بعد تعافيها من الأزمة الاقتصادية إلى واجهة الساحة الدولية من دون أي عبقات -أو قيود من الدولة الأقوى في النظام- تمنع طموحاتها في الدفاع عن مكانتها كقوة عظمى.
ثالثا: تؤكد القوى الدولية الحالية بأنها قوى الوضع الراهن وفق ما يدعيه الواقعيين الدفاعيين، لذلك تسعى إلى الحفاظ على وضعها الراهن بالنظام الدولي وعلى توازن القوة الذي يقلص من فرص الحرب، فالقوى الكبرى تهتم بالأمن أكثر من الزيادة في القوة إلى أقصى مداها، وكل سعي نحو الهيمنة يعد حماقة من الناحية الإستراتيجية، لأن ذلك سيؤدي إلى الوقوع في مصيدة الحرب التي تكون عادة نتاج حسابات خاطئة وغير عقلانية، و”لتقليص هذه الأخطاء فإن على الدول اللجوء إلى الإستراتيجية التعاونية”[38].
لكن هذا الأمر لا ينفي حقيقة المنافسة بين الصين وأمريكا، إذ من الممكن أن يؤدي إلى السقوط في ما يعرف “بفخ ثيوسيديديس”، حيث تؤكد الاتهامات المتبادلة بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية بشأن كورونا حقيقة هذا الصراع، ويمكن استعارة مفاهيم غراهام إليسون التي أطلقها على مشروع فخ ثيوسيديديس في كتابه “حتمية الحرب بين القوة الصاعدة والقوة المهيمنة: هل تنجح الصين وأميركا في الإفلات من فخ ثيوسيديديس”، فسماها بمتلازمة القوة الصاعدة ومتلازمة القوة المهيمنة، فالأولى تسلط الضوء “على إحساس القوة الصاعدة المتنامي بنفسها ومصالحها، وما تستحقه من اعتراف واحترام، بينما تمثل الثانية صورة معكوسة تماما للأولى، حيث تظهر القوة القائمة قدرا متعاظما من الإحساس بالقلق وانعدام الأمان، بسبب ما تشعر به من مخاوف من الانحدار وفقدان أهميتها ومكانتها”[39].
رابعا:  تثبت الأوبئة المشابهة في التاريخ الحديث بأن ما ينتج عنها هو المزيد من الأزمات الاقتصادية، فمثلا شهد العالم عدة أوبئة خلال القرن العشرين كالأنفلونزا الاسبانية لسنة (1918-1919)، الأنفلونزا الأسيوية بالصين 1957-، أنفلونزا هونغ كونغ لسنة (1968-1970)، فيروس الإيدز لسنة 1981، فيروس سارس (2002-2003)، أنفلونزا الخنازير (2009-2010)، الإيبولا (2014-2016)، ولم تؤدي تلك الأوبئة إلى تغيير بنية النظام الدولي[40]، بقدر ما أنها ساهمت في بروز ممارسات دولية فضلى في التعاطي مع الوباء من جهة، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية بالمناطق الموبوءة من جهة ثانية.
خامسا: إن الأوبئة التي عصفت بالدول في حقب تاريخية مختلفة لحظة الحرب، كانت بمثابة المتغيرات الجزئية المساهمة في هزم الدول بسبب الفتك الوبائي في صفوف جنودها أو إرغامها على الاستسلام، فدورها شبيه بالمتغيرات الجغرافية كالطقس البارد أو صعوبة التضاريس. ومن ذلك مثلا، ساهم وباء أثينا (430 ق.م) في إضعاف جيشها وهلاك ثلث سكانها وموت قائدها بريكلس، حيث عصف بها في السنة الثانية من الحرب البوليبينيزية بين أثينا وإسبرطة، ومن بين الأسباب التي قادت القوة الأثينية الصاعدة إلى الهزيمة بعد 27 سنة من الحرب، كما ساهم وباء جستنيان (541-542 م) في منع الإمبراطورية البزنطية من التوسع، وكان أيضا للإنفونزا الاسبانية 2018 دور في التأثير على نتائج الحرب العالمية الأولى، بسبب إصابة الجنود المتحاربة بالوباء[41]، لكن لم تكن المحدد الرئيسي في التأثير على نتائج الحرب، ثم أنها لم تكن السبب المباشر في تغيير طبيعة النظام الدولي في العصر الحديث، لأن صعود أو انهيار القوى العظمى كان نتاج الحروب الكبرى أو متغيرات داخلية (الأزمة الاقتصادية في حالة الاتحاد السوفياتي)، بينما البنية الفوضوية للنظام الدولي (غياب حكومة عالمية فوق الدول) ظلت على حالها منذ اتفاقية وستفاليا لسنة 1648، بمنطق الواقعيين، لم يتم هذا التغيير منذ ظهور الدولة في العصور القديمة.
وقد ساهمت هذه الأوبئة – سواء في لحظة السلم أو الحرب – في تغيير مجريات التاريخ، من خلال تطوير الممارسات الفضلى للدول بغية مواجهتها، حيث كان لها دور في تطور العلوم وظهور الابتكارات في جميع الحقول المعرفية، إلا أن هذه الأوبئة ساهمت أيضا في انهيار دول وإبادة شعوب في الحضارات القديمة نتيجة ظهور المجاعات والأزمات الاجتماعية، بما في ذلك بروز الحروب الأهلية والنزاعات الناتجة عن التداعيات التي خلفها الوباء، بل واقترنت أيضا بظهور أعمال النهب والسرقة والفوضى بالدول التي فتك بها الوباء وطال أمده[42].
الفرع الثاني: التحولات المحتملة على المستوى الدولي
إن التحولات المحتملة لعالم ما بعد كورونا ستشهد بروز قوى دولية منتصرة من الوباء بفعل نجاعة إستراتيجيتها في مواجهة الجائحة، لعل أبرزها هونج كونج وكوريا الجنوبية وتيوان وسنغافورة، هذه الدول قدمت نماذج ناجحة في التصدي للوباء من دون خسائر بشرية وأضرار اقتصادية كبيرة، ومرد ذلك إلى الذاكرة الجمعية والمؤسساتية التي تشكلت في أوقات سابقة للتعامل مع الأوبئة مثل وباء سارس، لقد مكنتها تلك التجارب من “التعلم وإبداء الكفاءة والسرعة في الاستجابة”، ونفس الأمر ينطبق على الصين رغم طبيعة نظامها السلطوي القائم على “إذعان مواطنيها لإجراءات الطوارئ الصحية أو الأمنية بمجرد أن تطلب منهم ذلك”، عكس الدول غير السلطوية بمنطقة شرق أسيا (تيوان؛ كوريا الجنوبية؛ هونغ كونغ) “التي تعاون مواطنيها مع حكوماتهم بشكل طوعي من أجل البقاء الجماعي”[43].
على غرار ذلك، فإن دول أخرى  لن تتأثر من الجائحة، والتي تصنف ضمن الدول القوية اقتصاديا لكنها لا تمتلك مقومات القوة العسكرية (لأسباب تاريخية كاليابان وألمانيا)، بسبب التدابير التي اتخذتها، وقدرة إمكانياتها على التصدي للوباء، بينما دول غربية أخرى ستتأثر كثيرا بالنظر إلى تداعيات الوباء على اقتصادياتها (كإسبانيا وإيطاليا)، التي تعاني أصلا من بعض التبعات الناتجة عن الأزمات الاقتصادية المتتالية. وبذلك، فإن الدول التي ستخرج قوية من الأزمة سيكون لها وزن اقتصادي في عالم ما بعد كورونا، خصوصا بأوربا الغربية ومنطقة شمال وشرق أسيا، ولا يوجد هناك ما يؤشر على أن هذه الدول ستغير من توازن القوى الدولي الحالي، أو أنها ستصارع من أجل قيادة العالم، بقدر ما أنها ستعزز تحالفاتها القائمة بغية حماية مصالحها وضمان التوازن الإقليمي، بما يضمن لها البقاء في محيطها الإقليمي الذي يشهد قوى منافسة كالصين بمنطقة شرق وشمال شرق أسيا، وروسيا بمنطقة أوربا.
لكن ذلك لا يعني بأن عالم ما بعد كورونا لن يعرف تحولات في النظام  الدولي، بقدر ما يعني بأن الجائحة قد تسرع عملية التحولات في أحد الاتجاهين التاليين:
الاتجاه الأول: تحول في نظام القطبية العالمية المتوازنة من خلال ظهور نظام ثلاثي القطبية بريادة ثلاثة أقطاب متوازنة وهي روسيا والصين والولايات المتحدة، وسعي كل قطب للهيمنة الإقليمية بمناطق الصراع العالمي، مع محاولة الولايات المتحدة الأمريكية منع ظهور أي قوى منافسة لها بالنصف الغربي للكرة الأرضية، وسيتوقف ذلك من خلال الانحسار التدريجي للقوة الأمريكية، مقابل سعي الصين وروسيا إلى تعديل موازين القوى الحالي، من خلال اعتماد الأولى على “تمددها الناعم”، واستعمال الثانية “لقوتها الصلبة المتمثلة في القوة العسكرية المتوفرة لديها”[44].
الاتجاه الثاني: هو أن تساهم كورونا في الحفاظ على وضع التوازنات كما هو عليه الآن، أي تعددية قطبية غير متوازنة، من خلال وجود عدة أقطاب مع ميزة في القوة لصالح الولايات المتحدة الأمريكية، وتقدم نسبي للصين لمنافسة الولايات المتحدة الأمريكية على الريادة، لكن من دون أن تحل محلها، فمن المرجح أن تبقى أمريكا على قائمة هرم النظام العالمي في الوقت الحالي، بحكم عوامل متعددة منها “انتشارها  العسكري  في المضايق والبحار واليابسة، وامتداد قواعدها العسكرية الضخمة، وتقدم جامعاتها ومراكز بحوثها مقارنة بالدول المنافسة، واعتماد الدولار عملة رئيسية في تبادل الطاقة والتجارة العالمية في إطار ما يعرف بنظام برنتون”[45].
الفرع الثالث: تداعيات الوباء على النظم الإقليمية
مهما حدثت من تحولات، فالثابت أن الصراع والتنافس الدولي سيتمحور بالأساس حول مناطق إنتاج الثروة كما يسميها الواقعيون، وهي ثلاثة مناطق إقليمية، أوروبا وشمال شرق أسيا ومنطقة الخليج العربي والفارسي، “المنطقتان الأولى والثانية هي مركز الثروة الصناعية، أما الثالثة فتنتج ما يقارب من 30 في المائة من نفط العالم”[46]، بينما لا تحتل مناطق أخرى مكانة إستراتيجية مقارنة مع هذه المناطق الثلاث، إلا أنه قد نشهد تنافسا قويا بإفريقيا حول الهيمنة والنفوذ، وهي منافسة ستشمل القوى التقليدية الثلاث السالفة الذكر أعلاه، وأيضا دول من خارج القوى الثلاث، بحكم أن القارة الإفريقية غنية بالثروات الطبيعية، وسوق اقتصادية واعدة بالنسبة للدول ذات الاقتصاديات الصناعية والناشئة التي تعتمد على التجارة الدولية والتصدير والاستثمار الخارجي.
في حين ستؤثر كورونا على مستقبل العلاقات بين الدول الإفريقية نموذج المغرب والجزائر، وعلى الرغم من أن الفرصة مواتية للتعاون وحل الخلافات الثنائية، إلا أنه لا يوجد هناك ما يثبت بأن تقاربا ما سيحدث بينهما في المستقبل القريب، بل هناك مؤشرات توضح بأن حدتها سترتفع انطلاقا من ما يتضح من تصريحات المسؤولين الجزائريين أثناء أزمة كورونا وقبلها، “وستستمر حالة التوجس وعدم الثقة في علاقات البلدين خلال السنوات القادمة”، فرغم أن “الخيار العقلاني الذي تفرضه الظروف الموضوعية المتعلقة بقدرات الدولتين (الاقتصادية والعسكرية والديمغرافية والجغرافية) هو الحفاظ على توازن القوى بينهما لأطول مدة ممكنة”[47]، فإن تداعيات كورونا من الممكن أن تؤثر سلبا على الوضع الحالي، وهذا ما قد ينتج عنه احتمالية الاصطدام، خصوصا مع جمود العلاقات بين البلدين وغياب المؤشرات التي تدلل على التقارب المستقبلي.
وعليه، فمن المرجح أن تعرف العلاقات بين البلدين الكثير من التوترات والأزمات بسبب طبيعة التحولات الجارية بالداخل الجزائري من جهة، ومن جهة ثانية فإن هناك متغيرات أخرى ستؤثر على هذه العلاقات سواء تلك المتعلقة بالتداعيات التي ستحدثها كورونا على الدولتين معا أو بعض القضايا الإقليمية (الملف الليبي) التي لا توحدهما نفس الرؤية لحلها، الأمر الذي يفترض تغيير وضع الجمود الحالي، تمهيدا لتقارب مستقبلي يساهم في بناء علاقات اقتصادية وطيدة وتحالفات كفيلة بحل المشاكل السياسية بالمنطقة، والمساهمة أيضا في حل الملفات الإقليمية بعيدا عن تدخل القوى الأجنبية، مع ضرورة التشبث ببناء الفضاء المغاربي باعتباره خيارا استراتيجيا لحل جل المشاكل والخلافات من جهة، والبروز كقوى إقليمية مؤثرة دوليا من جهة ثانية، إذ رغم أن هذا المسعى صعب التحقق في ظل الشروط الحالية، إلا أنه هو المسار الممكن أن يتم عبره حل جل الخلافات على طاولة واحدة وعن طريق قنوات دبلوماسية مؤسساتية وتعاونية مشتركة نموذج ما أثبتته التجربة التاريخية الناجحة لألمانيا وفرنسا في إطار الاتحاد الأوربي بعد عقود ماضية من صراعهما المرير.
خاتمة :
تبين الدراسة بأن النموذج المعرفي الواقعي له راهنيته، وينجلي ذلك من خلال تفوق مفاهيمه النظرية الحاضرة بقوة في زمن الوباء، سواء من حيث مركزية الدولة باعتبارها الفاعل الرئيسي الذي يواجه الأزمة عبر تدخلها في جميع المجالات، أو من خلال التسليم بضرورة الاعتماد على الذات في نظام دولي غير دقيق بمعطيات منقوصة، بالنظر لما أثبتته الجائحة من وضوح السلوك الأناني للدول بسبب إما التركيز على مصلحتها الخاصة، وإما نتاج النقص في الاحتياجات الضرورية المتطلبة لمواجهة الوباء، وهذا ما أدى بها إلى إتباع طرق غير قانونية كقرصنة المساعدات أو الشحنات المستوردة لدول أخرى، وأيضا ابتكار طرق غير مشروعة لاقتناء المستلزمات الطبية غير تلك المتعارف عليها عبر الآليات الدولية، أو رفضها تقديم العون والمساعدة للدول التي عانت كثيرا من تداعيات الفتك الوبائي (نموذج إيطاليا مع بداية الأزمة الوبائية).
كما تؤكد النظرية الواقعية بأن التحولات المحتملة لعالم ما بعد الجائحة لن تمس بنية النظام الدولي القائمة على الفوضى، لكن من الممكن أن يساهم في تغيير توازن القوة في الاتجاه الذي يبرز معه قوى دولية صاعدة جديدة ومنافسة على الريادة العالمية، بل ومدافعة عن مكانتها كقوى كبرى بالنظام، إلا أن ذلك قد يمس طبيعة القطبية الدولية الممكنة في عالم ما بعد كورونا من خلال بروز تعددية قطبية بريادة ثلاثة أقطاب متوازنة في القوة، ورغم أن الجائحة لا تثبت حاليا بأن تغييرا من هذا النوع سيتم في الوقت الراهن لاعتبارات اقتصادية وسياسية وعسكرية وتاريخية وثقافية، ناهيك على أن الجائحة ليست حرب كونية، إلا أنه لا يمكن إغفال حقيقة وجود قوة صاعدة غير معلومة النوايا (الصين) ويشهد عودة قوة تقليدية للمنافسة الدولية (روسيا)، كما يتسم بوجود دولة مهيمنة كامنة وذات نفوذ قوي على السياسة العالمية (الولايات المتحدة الأمريكية)، إذ رغم تفوق هذه الأخيرة في القوة على القوى الأخرى، فإن القوى المنافسة ستسعى هي الأخرى للدفاع على مكانتها الدولية.
ولابد من التسليم بأن فيروس كورونا (كوفيد19) هو مجرد وباء عالمي له تداعيات على جميع القوى الدولية، ولن يسلم من أثاره إلا الدول ذات الأنظمة المنغلقة على ذاتها والمعزولة عن العالم، وهذا ما لا يتوفر في القوى الدولية الكبرى الحالية، بالنظر إلى طبيعة النظام العالمي الاقتصادي المتشابك والمترابط والذي ينبني على حاجة الجميع للجميع، لكن تداعيات الجائحة ستتفاوت من دولة إلى أخرى بسبب الإمكانيات الذاتية التي تتوفر عليها كل دولة، ومدى قدرة اقتصادها على التعافي من الصدمة الناتجة عن الأزمة الوبائية، مما يعني بأن الدول ذات الاقتصاديات الضعيفة ستعاني أكثر من تداعيات الوباء، وهذا ما يمكن أن يؤدي إلى تفاقم الأزمات الاجتماعية والسياسية بالعديد من دول العالم.
انطلاقا من ما أسلفنا ذكره أعلاه يمكن استنتاج ما يلي:
أولا: إن التحديات التي تواجه الدول في عالم كورونا وما بعده تفترض منها تحقيق الاكتفاء الذاتي في ما يتعلق بالقضايا ذات الأولوية كالبحث العلمي والإنتاج المرتبط بتلبية الاحتياجات الداخلية، مع ضرورة تطوير آليات التعاون الدولي في الاتجاه الذي يعزز مصالحها الداخلية والخارجية.
ثانيا: إن التعاون الدولي سيظل يواجهه العديد من العقبات بسبب البنية الفوضوية للنظام الدولي، إذ رغم أهميته وضرورته لكنه لن يتطور في الاتجاه الذي يتبلور في جميع المجالات، بل سيظل مقيد بحدود معينة مرتبطة بالخوف وانعدام الثقة بين الدول في غياب ضمانات تؤكد بأن الدولة “ألف” ستفي بالتزاماتها التعاونية لصالح الدولة “باء” في جميع المجالات، إلا أن هذه العقبات لن تحول دون حاجة الدول للتعاون بغية مواجهة التحديات الجماعية التي تواجه الجميع بدل الدخول في سياسة سباق التسلح أو الصراع على الريادة والهيمنة والنفوذ الإقليمي الممكن أن يؤدي إلى حتمية الحرب.
ثالثا: إن التحولات المحتملة لعالم ما بعد كورونا ستشمل العلاقات الدولية في الاتجاه الذي قد يؤدي إلى تغير نسبي في القوة، بينما لن تغير بنية النظام الدولي الموروثة عن الحرب الباردة، أي أن التغيير – في حالة حدوثه – سيتم بالطريقة نفسها التي تمت مع انهيار الاتحاد السوفياتي، مما يعني بأن قطبية تعددية متوازنة تلوح في الأفق بريادة ثلاثة أقطاب متفاوتة القوة في الوقت الحالي (الصين؛ روسيا؛ الولايات المتحدة الأمريكية)، مع احتمالية بروز مفهوم التوازن من خارج المجال وفق مقاربة كريستوفر لاين وستيفن والت وجون ميرشايمر، أي أن تتجه القوى الفاعلة في النظام إلى مراقبة التوازنات من الخارج وتهتم أكثر بشؤونها الداخلية.
رابعا: إن تداعيات كورونا على نسق العلاقات الدولية، ستجعل من الأوبئة موضوعا محوريا ضمن الدراسات الدولية وليست أمرا ثانويا كما يدعي الواقعيون، وقد تساهم في ظهور تعديلات جديدة في النظرية الواقعية، تستحضر الأوبئة والأمراض والمتغيرات المناخية والنمو السكاني ضمن دراساتها.
خامسا: إن حقل العلاقات الدولية مقبل على تحديات جديدة على شاكلة أزمة كورونا، الأمر الذي يتطلب من الدول استحضار هذا النوع من الأزمات ضمن سياساتها المستقبلية.
لائحة المراجع:
الكتب المترجمة :
  1. جوزيف ناي، مستقبل القوة، ترجمة أحمد عبد الحميد نافع، المركز القومي للترجمة، القاهرة، الطبعة الاولى 2015.
  2. جون ميرشايمر، مأساة سياسة القوى العظمى، ترجمة مصطفى محمد قاسم، النشر العلمي والمطابع، جامعة الملك سعود، 2012.
  3. شلدون واتس، الأوبئة والتاريخ.. المرض والقوة والامبريالية، ترجمة أحمد محمود عبد الجواد، المركز القومي للترجمة، الطبعة الاولى 2010.
  4. غراهام إليسون، حتمية الحرب بين القوة الصاعدة والقوة المهيمنة: هل تنجح الصين وأمريكا من الإفلات من فخ ثيوديديس؟، ترجمة إسماعيل بهاء الدين سليمان، دار الكتاب العربي، لبنان، دجنبر 2018.
الكتب:
  1. إيهاب خليفة، القوة الإلكترونية.. كيف يمكن أن تدير الدول شؤونها في عصر الأنترنت؟ “الولايات المتحدة نموذجا”، العربي للنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الاولى 2017.
  2. جهاد عودة، النظام الاجتماعي والاستراتيجي الأمريكي المأزوم، كنوز للنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الأولى 2013.
  3. علي زياد العلي، المرتكزات النظرية في لسياسة لدولية، دار الفجر للنشر والتوزيع،الطبعة الأولى 2017.
  4. الواليد أبو حنيفة، دور البراديغم المعرفي الواقعي في تحليل السياسة الدولية، مركز الكتاب الأكاديمي، الطبعة الأولى.
  5. يسرى كريم العلاق، الحكومة العالمية وتطورات النظام الدولي، دار الخليج للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2020.
إصدارات جماعية:
  1. سعيد الصديقي، أي تأثير لوباء “كوفيد 19” على السياسات الدولية؟، ص 266.275، كتاب جماعي تحت عنوان “عالم ما بعد الجائحة: قراءات في تحولات الفرد والدولة والأمة والعلاقات الدولية”، منشورات جمعية النبراس للثقافة والتنمية، مطبعة وراقة بلال فاس/ المغرب، الطبعة الأولى ماس 2020.
  2. مصطفى باخوش، انعكاسات أزمة كورونا الحديثة في العلوم السياسية، ص 78.87، كتاب جماعي تحت عنوان “أزمة كورونا وانعكاساتها على علم الاجتماع والعلوم السياسية والعلاقات الدولية”، مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية، قطر، الطبعة الأولى 2020.
المجلات:
  1. أحمد محمد أبو زيد، كينيت والتز: خمسون عاما من العلاقات الدولية 1959-2009، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد 27، ص 93-109، صيف 2010
  2. علي الجرباوي، الرؤى الاستراتيجية لثلاثي القطبية الدولية: تحليل مقارن، مجلة سياسات عربية، العدد 31، ص 7-22، مارس 2018.
  3. علي الجرباوي، لورد حبش، النظرية الواقعية في مواجهة أحادية القطبية الدولية، مجلة سياسات عربية، العدد 38، ص 28-49، مايو 2019.
  4. علي صالح، ملامح جديدة للاقتصاد العالمي في مرحلة ما بعد كورونا، دراسات خاصة، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، العدد 04، ص 3-19، 13 أبريل 2020.
  5. ميثاق مناحي دشر، النظرية الواقعية: دراسة في الأصول والاتجاهات الفكرية الواقعية المعاصرة (قراءة في الفكر السياسي المعاصر)، مجلة أهل البيت عليهم السلام، العراق، العدد 20، ص 386-433، دجنبر 2016.
منشورات:
  1. سعيد الصديقي، هل ستتغير السياسة الجزائرية في جوارها الإقليمي خلال العقد القادم؟، المعهد المغربي لتحليل السياسات، مارس 2020.
  2. شيماء عويس، القوة في العلاقات الدولية.. دراسة تأصيلية، المعهد المصري للدراسات، 5 أكتوبر 2018.
  3. عبد الرحمن أيمن، فوضوية النظام الدولي عند كينيت والتز، المعهد المصري للدراسات، 18 ماي 2018.
  4. عز الدين عبد المولى، الأزمة الخليجية وإعادة تعريف القوة في العلاقات الدولية، مركز الجزيرة للدراسات، 7 يونيو 2018.
  5. عز الدين عبد المولى، ما القوة الحيوية؟ كورونا واختبار المفهوم التقليدي لقوة الدولة، مركز الجزيرة للدراسات، 29 مارس 2020.
  6. عصام عبد الشافي، وباء كورونا وبنية النسق الدولي.. الأبعاد والتداعيات، المعهد المصري للدراسات، 26 مارس 2020.
  7. محمد الشرقاوي، التحولات الجيوسياسية لفيروس كورونا وتآكل النيوليبرالية (الجزء 1)، مركز الجزيرة للدراسات، 23 مارس 2020.
  8. محمد الشرقاوي، التحولات الجيوسياسية لفيروس كورونا وتآكل النيوليبرالية (الجزء 2)، مركز الجزيرة للدراسات، 30 مارس 2020.
  9. وحدة الدراسات السياسية، وباء فيروس كورونا المستجد.. نماذج من استجابات الدول للوباء وتداعياته على الاقتصاد العالمي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسة، قطر، تقرير رقم 2، أبريل 2020.
مواقع إلكترونية :
  1. إبراهيم قالن، الاكتفاء الذاتي والتعاون الوطني.. المفتاح السري لعالم ما بعد كورونا، وكالة الأناضول، تاريخ الولوج، 13/06/2020، بالموقع التالي : https://www.aa.com.tr/ar/
  2. خالد المجدوبي، درس كورونا: التحرر من التبعية الطبية للخارج (تصريح للخبير المغربي سعيد الصديقي)، وكالة الأناضول، تاريخ الولوج 05/06/2020 على الموقع التالي: https://www.aa.com.tr/ar/
  3. رفيق عبد السلام، عالم ما بعد كورونا إلى أين؟، مركز الدراسات الاستراتيجية والدبلوماسية، تونس، تاريخ الولوج 12/06/2020، بالموقع التالي : http://www.csds-center.com/article/
  4. عبيد الحليمي، تطور مفهوم القوة في العلاقات الدولية المعاصرة، المركز الديمقراطي العربي، برلين، تاريخ الولوج 30/06/2020، بالموقع التالي: https://democraticac.de/?p=67404
المراجع باللغة الأنجليزية:
The Books:
  1. Stephen Mcglinchey, Rosie Walters & Christian Scheinpflug, International Relations Theory, E-International Relations Publishing, England, 2017
The Articles
  1. Christopher Walker and Jessica Ludwing, From Soft Power to Sharp Power: Rising Authoritarian Influence in the Dimocrratic word, National Adowment of Democracy, December 2017, P 8-25.
  • Francis A.Beer and Rebert Hariman, Nature Plays Last: Realism, Post Realism, Post Pandemic, E-International Relations Publishig, England, Jun, 7, 2020, P 1-11 . https://www.e-ir.info/
  1. Frencesco Rampa, One Health and COVID-19: Global Leadership, territorial investment and food systems, The European Center for Development Policy Management (ECDPM), Briefing Note No. 117, may 2020, p 1-6.
  2. John mearshiemer, Bound to Fail: The Rise and Fall of the Liberal International Orde, International Security Volume 43 | Issue 4, Spring 2019, p.7-50.
  3. Mechael Mckenzie, Between Politics and Policy: International cooperation beyend COVID19, E-Iinternational Relations Publishing, Englad, Jun, 4, 2020, P1-10 https://www.e-ir.info/
The Websites
[1]– الانفلونزا الأسيوية (1957-1958)، انفلونزا هونغ كونغ (1968-1970)، الإيدز (1981)، سارس (2002-2003)، انفلونزا الطيور (2003-2004)، انفلونزا الخنازير (2009-2010)، إيبولا (2013-2016) و(2018)، متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (ميرس 2012).
[2]– ما بين تاريخ ظهوره في دجنبر 2019 و1 دجنبر 2020 تجاوزت حالات الإصابة بالوباء 63 مليون شخص، وعدد الوفيات تجاوزت مليون شخص. تاريخ الولوج للموقع المتعلق بمستجدات الوباء على الصعيد العالمي هو 01/12/2020، بالموقع التالي: https://news.google.com/covid19/map?hl=ar&gl=EG&ceid=EG:ar
[3]ـ علي زياد العلي، المرتكزات النظرية في لسياسة لدولية، دار الفجر للنشر والتوزيع،الطبعة الأولى 2017، ص 206
[4]– عبد الرحمن أيمن، فوضوية النظام الدولي عند كينيت والتز، المعهد المصري للدراسات، 18 ماي 2018، ص04.
[5]– Stephen Mcglinchey, Rosie Walters & Christian Scheinpflug, International Relations Theory, E-International Relations Publishing, England; 2017, P17.
[6]ـ جون ميرشايمر، مأساة سياسة القوى العظمى، ترجمة مصطفى محمد قاسم، النشر العلمي والمطابع، جامعة الملك سعود، 2012، ص 38.
[7]– أحمد محمد أبو زيد، كينيت والتز: خمسون عاما من العلاقات الدولية 1959-2009، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد 27، صيف 2010، ص 106.
[8]– علي الجرباوي، لورد حبش، النظرية الواقعية في مواجهة أحادية القطبية الدولية، مجلة سياسات عربية، العدد 38، مايو 2019، ص 31.
[9]– شيماء عويس، القوة في العلاقات الدولية.. دراسة تأصيلية، المعهد المصري للدراسات، 5 أكتوبر 2018، ص 08.
[10]ـ جون ميرشايمر، ت.مصطفى محمود قاسم، مرجع سابق، ص 69.
[11]– جوزيف ناي، مستقبل القوة، ترجمة أحمد عبد الحميد نافع، المركز القومي للترجمة، القاهرة، الطبعة الأولى 2015، ص 110
[12]– نفس المرجع، ص 239.
[13]– ميثاق مناحي دشر، النظرية الواقعية: دراسة  في الأصول والاتجاهات الفكرية الواقعية المعاصرة (قراءة في الفكر السياسي المعاصر)، مجلة أهل البيت عليهم السلام، العدد 20، دجنبر 2016، العراق، ص 400.
[14]– جهاد عودة، النظام الاجتماعي والاستراتيجي الأمريكي المأزوم، كنوز للنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الأولى 2013، ص 527.
[15]– عز الدين عبد المولى، الأزمة الخليجية وإعادة تعريف القوة في العلاقات الدولية، مركز الجزيرة للدراسات، 7 يونيو 2018، ص 05.
[16]– Christopher Walker and Jessica Ludwing, From Soft Power to Sharp Power: Rising Authoritarian Influence in the Dimocrratic word, National Adowment of Democracy, December 2017, P 08.
[17]– شيماء عويس، مرجع سابق، ص 14.
[18]– إيهاب خليفة، القوة الإلكترونية.. كيف يمكن أن تدير الدول شؤونها في عصر الأنترنت؟ “الولايات المتحدة نموذجا”، العربي للنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الاولى 2017، ص 30.
[19]– عز الدين عبد المولى، ما القوة الحيوية؟ كورونا واختبار المفهوم التقليدي لقوة الدولة، مركز الجزيرة للدراسات، 29 مارس 2020، ص 05.
[20]– عبيد الحليمي، تطور مفهوم القوة في العلاقات الدولية المعاصرة، المركز الديمقراطي العربي، برلين، تاريخ الولوج 30/06/2020، بالموقع التالي: https://democraticac.de/?p=67404
[21]– Francis A.Beer and Rebert Hariman, Nature Plays Last: Realism, Post Realism, Post Pandemic, E-International Relations Publishing, England, Jun, 7, 2020, P 08.
[22]– Stephen Walt, The Realist’s Guide to the Coronavirus Outbreak, Globalization is heading for the ICU, and other foreign-policy insights into the nature of the growing international crisis, Forgien Policy, accessed on 04/06/2020 at : https://foreignpolicy.com/2020/03/09/coronavirus-economy-globalization-virus-icu-realism/
[23]ـ جون ميرشايمر، ت.مصطفى محمود قاسم، مرجع سابق، ص 465.
[24]– Frencesco Rampa, One Health and COVID-19: Global Leadership, territorial investment and food systems, The European Center for Development Policy Management (ECDPM), may 2020, P 3.
[25]ـ سعيد الصديقي، أي تأثير لوباء “كوفيد 19” على السياسات الدولية؟، منشورات جمعية النبراس للثقافة والتنمية، مطبعة وراقة بلال فاس/ المغرب، الطبعة الأولى ماس 2020، ص 272.
[26]ـ علي صالح، ملامح جديدة للاقتصاد العالمي في مرحلة ما بعد كورونا، دراسات خاصة، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، العدد 04، 13 أبريل 2020، ص 5.
[27]ـ سعيد الصديقي، أي تأثير لوباء كوفيد 19 على السياسات الدولية؟، مرجع سابق، ص 274.
[28]ـ مصطفى باخوش، انعكاسات أزمة كورونا الحديثة في العلوم السياسية، مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية، قطر، الطبعة الأولى 2020، ص 82.
[29]– يسرى كريم العلاق، الحكومة العالمية وتطورات النظام الدولي، دار الخليج للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2020، ص 192.
[30]– نفس المرجع، ص 195.
[31] إبراهيم قالن، الاكتفاء الذاتي والتعاون الوطني..المفتاح السري لعالم ما بعد كورونا، وكالة الأناضول، تاريخ الولوج، 13/06/2020، بالموقع التالي : https://www.aa.com.tr/ar/
[32]– Mechael Mckenzie, Between Politics and Policy: International cooperation beyend COVID19, E-Iinternational Relations publishing, England, Jun, 4, 2020, p 4.
[33]– John mearshiemer, Bound to Fail: The Rise and Fall of the Liberal International Orde, International Security Volume 43 | Issue 4 | Spring 2019, p 13.
[34]– أنظر محمد الشرقاوي، التحولات الجيوسياسية لفيروس كورونا وتآكل النيوليبرالية (الجزء 1 صادر في 23 مارس 2020 والجزء 2 صادر في 30 مارس 2020)، مركز الجزيرة للدراسات، قطر، 2020.
[35]ـ خالد المجدوبي، درس كورونا: التحرر من التبعية الطبية للخارج (تصريح للخبير المغربي سعيد الصديقي)، وكالة الأناضول، تاريخ الولوج 05/06/2020 على الموقع التالي: https://www.aa.com.tr/ar/ 
[36]ـ جون ميرشايمر، ت.مصطفى محمود قاسم، مرجع سابق، ص 466.
[37]ـ جون ميرشايمر، ت.مصطفى محمود قاسم، مرجع سابق، ص 170.
[38]ـ الواليد أبو حنيفة، دور البراديغم المعرفي الواقعي في تحليل السياسة الدولية، مركز الكتاب الأكاديمي، الطبعة الاولى، ص 94.
[39]– غراهام إليسون، حتمية الحرب بين القوة الصاعدة والقوة المهيمنة: هل تنجح الصين وأمريكا من الإفلات من فخ ثيوديديس؟، ترجمة إسماعيل بهاء الدين سليمان، دار الكتاب العربي، لبنان، دجنبر 2018، ص 104.
[40]ـ عصام عبد الشافي، وباء كورونا وبنية النسق الدولي.. الأبعاد والتداعيات، المعهد المصري للدراسات، 26 مارس 2020، ص 07.
[41]– Owen Juras, 20 of the worst epidemics and pandemics in history, Live Science, accssed on 06/06/2020 at : https://www.livescience.com/worst-epidemics-and-pandemics-in-history.html
[42]– أنظر شلدون واتس، الأوبئة والتاريخ.. المرض والقوة والامبريالية، ترجمة أحمد محمود عبد الجواد، المركز القومي للترجمة، الطبعة الأولى 2010.
[43]ـ وحدة الدراسات السياسية، وباء فيروس كورونا المستجد.. نماذج من استجابات الدول للوباء وتداعياته على الاقتصاد العالمي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسة، قطر، تقرير رقم 2، أبريل 2020، ص 9.
[44]– علي الجرباوي، الرؤى الاستراتيجية لثلاثي القطبية الدولية: تحليل مقارن، مجلة سياسات عربية، العدد 31، مارس 2018، ص 21.
[45]ـ رفيق عبد السلام، عالم ما بعد كورونا إلى أين؟، مركز الدراسات الاستراتيجية واليبلوماسية، تاريخ الولوج 12/06/2020، بالموقع التالي : http://www.csds-center.com/article/
[46]– John J. Mearsheimer and Stephen M. Walt, The Case for Offshore Balancing, OP.CIT, p72.
[47]– سعيد الصديقي، هل ستتغير السياسة الجزائرية في جوارها الإقليمي خلال العقد القادم؟، المعهد المغربي لتحليل السياسات، مارس 2020، ص 14.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.