الحق في حرية التعبير والرأي بين التكريس الحقوقي الإنساني وتقييد الحق خلال حالة الطوارئ الصحية بالمغرب

1

منى دلوح
باحثة في سلك الدكتوراه في القانون العام الدولي
الإنسان دائما تواقا إلى قيم الحرية والعدل والإنصاف كارها في أعماقه الظلم والتعدي، وهنا نتكلم عن الحقوق الإنسانية تلك الحقوق المتأصلة في طبيعتنا ولا يمكن أن نحيا بدونها كبشر، حقوق الإنسان تولد مع ولادة الإنسان نفسه وترتبط به أينما كان، فضلا عن الدولة أو النظام المطبق على الفرد، فهي سابقة على وجود الوثائق، وتحت منظومة حقوق الإنسان يوجد إطار الحقوق الأساسية للإنسان، وهي من حقوق الفرد الممنوحة له ويتمتع بها مند نشوئه، ومنها حرية التعبير والرأي الذي يعد حق من الحقوق الإنسانية الأساسية التي يتمتع بها الإنسان لبوح عن صدى أجوافه وعباراته الداخلية، التي تتخبط في صمت، هذه التخبطات كرس لها الله مزايا وضمانات مند وجود البشرية.
ولهذا تم العمل على تكريس مجموعة من المعايير والآليات المؤسساتية في المنظومة الدولية العالمية، وتفعيلا لذلك تمت دسترة ضمانات الحقوق والحريات وتكييفها في القوانين الوطنية، وهذا يظهر جليا بالرجوع إلى مقتضيات الدستور المغربي الجديد 2011، الذي تضمن النص على العديد من الضمانات اللازمة لحماية الحريات من كل أنواع الانتهاكات التي يمكن أن تمسها وتنقص منها.
دستور 2011 كرس نقلة نوعية عرفها التاريخ السياسي المغربي، لنهج مسار الإصلاح والتغيير نحو تعزيز مجتمع الحقوق والحريات في المغرب، هذا المسار عرف تخبطات وتشنجات بين الصراع من أجل التنصيص من جهة، ومن جهة أخرى  صراع  لأجل المواكبة والممارسة على أرض الواقع، لكن على غرار التنصيص والمواكبة في الإطارات القانونية والتنظيمية المستحدثة، تبقى مسألة التفعيل نسبية في ممارسة الفرد لحقوقه وحرياته خصوصا خلال الأوضاع الحرجة التي قد تسببها الأزمات الإنسانية التي يعرفها العالم سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي وحتى الإنساني.
وبالرجوع إلى ما سببته الأزمات الإنسانية العالمية وخاصة الأزمة الصحية الأخيرة التي نشبت في كل بقاع العالم بسبب فيروس غير مرئي اسمه فيروس كرونا المستجد، خلق رعب في صفوف المواطنين والمواطنات، ونشوب مجموعة من الممارسات المنتهكة للنظام من حيث الأمن واستقرار الأمة، مما جعل الحكومة تتخذ تدابير إجرائية صارمة ووضع مرجعيات قانونية، تسببت في التقليل من بعض الحقوق والحريات التي يتمتع بها الفرد في ممارساته للحياة اليومية. وهذا ما يطرح ثغرات تبادر في ذهن  المواطن قد تشمل ما يلي: هل نحن أمام حرب توعية والملائمة للمعايير الإنسانية؟ أم حرب للدفاع عن حقوقنا وحرياتنا التي وهبها الله لنا مند وجود البشرية، والمنصوص عليها في الأنساق الدولية العالمية والوطنية لاحترامها وتفعليها على أرض الواقع كالحق في حرية التعبير والرأي نموذجا؟ وما مدى تعزيز هذه الضمانات الحقوقية خلال جائحة فيروس كرونا وفقا لحالة الطوارئ؟
  • المقاربة الحقوقية الإنسانية لحرية التعبير والرأي وفق المواثيق الدولية والوطنية
حرية التعبير حق مكفول في العديد من المقتضيات الدولية وكذا الوطنية، وإذا رجعنا إلى حالة الطوارئ الاستثنائية التي نعيشها حاليا بسبب جائحة فيروس كرونا وما سببته من أثار وثغرات سلبية على الحقوق والحريات، وما عرفته من تقييد للالتزامات المتعلقة باحترام الحقوق ومنها حرية التعبير والرأي التي عرفها المجتمع المغربي مؤخرا من صدور مقتضيات ومواد تقيد هذا الحق ضمن بنود مشروع قانون 20-22 المصادق عليه من طرف المجلس الحكومي الذي صدرا مؤخرا حول تقنين شبكات التواصل الاجتماعي، يلاحظ من خلال نصوص هذا المشروع قد  رجع بنا نسبيا إلى سنوات قبل الربيع العربي أي قبل اختيار المغرب نهج مسار الإصلاح والتغيير نحو الانتقال الديمقراطي وبناء دولة الحق والمؤسسات، وممارسة الحقوق والحريات من طرف المواطنين والمواطنات بكل حرية، هذا الوضع الذي خلفه المشروع من تقييد للحقوق والحريات وأهمها حرية التعبير والرأي والنشر ضمن مواده، أثار جدلا بين صفوف فئات المجتمع لانتهاك حقهم في التعبير والرأي وحرية الصحافة والحق في الحصول على المعلومات باعتبارها حقوق مكفولة في الوثائق المغربية أهمها الوثيقة الدستورية، وكذا في قوانين تنظيمية مثل قانون الصحافة وقانون رقم 31.13 المتعلق بالحصول على المعلومات..، هذا الجدل الذي عرفته الساحة المغربية يحلينا إلى أنه تم خرق الضمانات والمعايير التي وهبها الله سبحانه وتعالى، وما كرسته الجماعة الدولية من مواثيق وتنظيمات عالمية و تفعيلها في المواثيق والقوانين الوطنية. ولهذا سنحاول أن نقارب هذا الموضوع من خلال التركيز على المعايير الدولية التي تعمل على تكريس هذا الحق وأهم المقتضيات المنصوص عليها، وكيف تمت مواكبتها على المستوى الوطني وفق القوانين والوثائق التي نصت على حرية التعبير والرأي للمواطن المغربي.
المقتضيات الحقوقية لحرية التعبير والرأي على المستوى الدولي
قبل التطرق إلى الشرعة الدولية التي تعد أساس الحقوق والحريات في العالم، فهناك إعلانات ودساتير داخلية للدول رسخت حقوق الإنسان بين الحاكم والمحكومين ومن بين هذه الإعلانات التي كان لها دور في التأسيس والتنصيص للمنظومة الحقوقية.
  • إعلانات داخلية للدول
إعلان الاستقلال الأمريكي 1776لسنة، الذي أشار في فصله الأول بأن جميع الناس خلقوا أحرارا ومستقلين، لهم حقوق أساسية وطبيعية، لا يمكن التخلي عنها كالحق في الحياة والحق في الحرية مع تمتعهم بوسائل  الحصول على الأمن والسعادة، إذ أعلن الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت (1882-1942) مفهوم حقوق الإنسان في الإعلان من خلال مبدأ الحريات الأربع المتمثلة في حرية التعبير، حرية الدين، التحرر من الفقر والعوز، التحرر من الخوف، وهذا الإعلان ساهم في استقلال العديد من الولايات الأمريكية.
بجانب هذا الإعلان هناك الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن الذي صدر عام 1789، أي خلال الثورة الفرنسية الذي كان لها أهمية في جعل الحقوق الإنسانية بارزة في المجتمع الفرنسي، و أضاف الإعلان ضمن بنوده أن الحرية هي أصل حقوق الإنسان، فجميع الحقوق هي ممارسة للحريات، وأن تجاهل أو نسيان أو احتقار حقوق الإنسان هي من أسباب انحلال النظم الحكومية. وقد تعرض الإعلان في المادة العاشرة لحرية الرأي حيث تضمنت أنه لا يمكن إزعاج أحد أو الاعتداء عليه من أجل ممارسته لمعتقداته الدينية على شرط عدم المساس بالأمن العام الذي قرره القانون، وتؤكد المادة 11 على حرية الفكر والتعبير التي تقترن حمايتها بالضمانات .
وبهذا أخذت حقوق الإنسان طريقها إلى دائرة القانون ودخلت مجال التقنين والتأسيس على المستوى الدولي بواسطة صياغة مجموعة من الأعراف الدولية ضمن قواعد اتفاقية شملتها المعاهدات الدولية وكذا المواثيق الوطنية .
  • الشرعة الدولية
إن أصل الحديث عن مرجعية حقوق الإنسان ووجودها على المستوى الدولي، يقترن بوجود الشرعة الدولية التي تعتبر كتعبير عن إرادة الجماعة الدولية في وضع أسس ومعايير دولية تخضع لها الدول في مجال حقوق الإنسان والقانون الإنساني، ومصدرا لتحقيق المصلحة العامة المشتركة المرتبطة بإرساء دعائم السلام والأمن. تتجلى أهمية الشرعة الدولية في كونها تعكس روح المبادئ العامة لحقوق الإنسان حيث تؤكد جميعها في كون كل كائن بشري بصرف النظر عن جنسه ولونه وعقيدته، له حق ممارسة الحقوق والحريات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية التي تتمثل في رعاية كرامته الإنسانية واحترام شخصيته.
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتمدته الجمعية العامة بموجب قرار رقم 215 بتاريخ 10 دجنبر 1948، فقد نص في المادة 19 منه على أنه لكل شخص الحق في حرية التعبير والرأي، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأفكار وتلقيها وإذاعاتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.
أما إذا ارتأينا ما تضمنه كل من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الذي صادق عليها المغرب عام 1979، فقد تضمنت مبادئ وضمانات تكفل الحق في حرية التعبير والرأي، إذ نصت أنه لكل إنسان الحق في حرية الفكر والوجدان والدين، ولكل إنسان حق في اعتناق الآراء دون مضايقة، وله الحق في حرية التعبير، ويشمل هذا الأخير حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في أي قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها، بالإضافة إلى حرية الصحافة وحق الحصول على المعلومات وفقا للمواد 18 و 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. و أضاف العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المادة 15 أن المشاركة في الحياة الثقافية والتمتع بفوائد التقدم العلمي وصيانة العلم والثقافة مكفول للجميع وتتعهد به الدول الأطراف في العهد.
علاوة على ما سبق ذكره فقط أقرت مواثيق وإعلانات دولية إقليمية على الحق في حرية التعبير والرأي، وفي هذا الإطار أجازت مقتضيات إقليمية منها الميثاق الإفريقي للحقوق الإنسان والشعوب، الذي اعتمد في عام 1981 على هذا المقتضى، إذ نص في المادة  9 منه على حق الفرد أن يحصل على المعلومات، كما يحق لكل إنسان أن يعبر عن أفكاره وينشرها في إطار القوانين واللوائح، يمكن أن نضيف في جانب النصوص الإقليمية فناك وثائق عربية جسدت  حرية العقيدة والفكر والرأي مكفولة لكل فرد، وللأفراد من كل دين الحق في ممارسة شعائرهم الدينية، كما لهم الحق في التعبير عن أفكارهم عن طريق العبارة أو الممارسة أو التعليم وبغير إخلال بحقوق الآخرين ولا يجوز فرض أية قيود على ممارسة حرية العقيدة والفكر والرأي إلا بما نص عليه القانون وفقا للمواد 26 و 27 من الميثاق.  باعتباره حق أساسي يتمتع به كل فرد موجود على الكرة الأرضية، مع مراعاة احترام حقوق الآخرين والنظام العام للدولة، مما يجعلنا القول أن جل البنود والنصوص سواء دولية أو إقليمية وعربية كرست هذا الحق ضمن قوانينها الأساسية ومراعاتها مع تنظيماتها السياسية.
وبحكم المغرب مصادق على هذه الاتفاقيات الأساسية وخاصة ما هو متعلق باتفاقيات الشرعة الدولية كان عليه الالتزام وتكريس ما جاءت به مقتضيات هذه النصوص مع قوانينه وتنظيماته الوطنية.
قراءة في تكريس التمثلات القانونية لحرية التعبير والرأي على المستوى الوطني
إعادة تحيين وتعديل الدستور 1996 بدستور 2011 شكل نقلة نوعية عرفها التاريخ السياسي المغربي، باعتباره بوابة لتكريس العملية الانتقالية وبناء مجتمع الحقوق والحريات بالمغرب، ولهذا كان على المشرع المغربي أن يعمل على تكييف وملائمة القوانين والتنظيمات الوطنية مع المعايير والقواعد الدولية المعنية بحقوق الإنسان والمنظومة الإنسانية عامة، وموازنتها ضمن استراتيجيات وبرامج عمل المؤسسات والهيئات الوطنية.  
ولمواكبة العصر الحقوقي بالرقعة المغربية تم إصدار مقتضيات مهمة في التعديل الدستوري لسنة 2011، وهذا ظهر جليا في ما ورد من خطوط عريضة في الدستور من تعزيز للضمانات والأسس الحقوقية الإنسانية، التي أقرت ضمن ديباجته وما تضمنته على التزام المغرب بالخيار الديمقراطي وببناء دولة ديمقراطية يسودها ممارسة الحق والقانون بشكل لا رجعة فيه، والتعهد بما تقتضيه المواثيق الدولية من مبادئ حقوق وواجبات، العمل على التشبث بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا، والالتزام بحماية منظومتي حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والنهوض بهما، والإسهام في تطويرهما مع مراعاة الطابع الكوني لتلك الحقوق وعدم قابليتها للتجزيء، والتنصيص على سمو الاتفاقيات الدولية المصادق عليها من طرف المملكة المغربية على التشريعات والمقتضيات الوطنية فور نشرها، وعلى ضرورة ملائمة هذه النصوص مع ما متطلبات تلك المصادقة.
وفي إطار الحديث عن حرية التعبير والرأي ومواكبتها بثمتلات الأنساق الدولية التي سبق وأشرنا إليها فقد نص الدستور في الفصل 25 على أن حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها، ونص أيضا على حرية الإيداع والنشر والعرض في مجالات الأدب والفن والبحث العلمي والتقني، وأضاف في الفصل 27 منه للمواطنات والمواطنين حق الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارة العمومية والمؤسسات المنتخبة والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام، هي حقوق وحريات مضمونة بموجب الوثيقة الدستورية بما لا يخالف النظام العام أو المس بالصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق وحريات الآخرين، وهو نفس المقتضى الذي نصت عليه أيضا المواثيق الدولية سواء في الإعلان العالمي في المادة 19، أو في العهدين الدوليين اللذان نص على نفس المقتضى، لأن ممارسة الحقوق الإنسانية تستتبع واجبات ومسؤوليات لا يمكن تجاوزها، و يجوز إخضاعها لبعض القيود لكن شريطة أن تكون محددة بنص وأن تكون ضرورية تتجلى في احترام حقوق الآخرين أو سمعتهم، أو لحماية الأمن القومي أو النظام العام.
إذا رجعنا للآليات المؤسساتية الوطنية التي تنهج حماية حقوق الإنسان والنهوض بها، نجد البرلمان بحكم الفصل 71 من الدستور صار بإمكان السلطة التشريعية المساهمة في حماية حقوق الإنسان من خلال ممارسة وظيفته التشريعية، وتشمل مجالات التشريع الكفيلة بحماية الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والتنموية والنهوض بها. ومن الهيئات الأخرى الداعمة لحقوق الإنسان وتم أحدثها وفق الدستور هناك الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري الذي أحدثت بمقتضى الفصل 165 من الدستور، إذ تتولى هذه الهيئة السهر على احترام التعبير التعددي لتيارات الرأي والفكر والحق في الحصول على المعلومة في الميدان السمعي البصري، جل هذه الآليات تم انجازها وفقا لما نصت عليه الاتفاقيات الدولية المصادق عليها المغرب وطرفا فيها، قصد مواكبة المسار الحقوقي الإنساني بالرقعة المغربية.
  • أي تعزيز للضمانات الإنسانية لحرية التعبير والرأي في قانون 20-22 خلال الأزمة الصحية نموذجا
وإذا رجعنا إلى استقراء بنود مسودة المشروع قانون رقم 22-20 المتعلق بشبكات التواصل الاجتماعي، وشبكات البث المفتوح والشبكات المماثلة، الذي صادق عليه المجلس الحكومي في 19 مارس 2020، بنود أثارت تشنجات في صفوف المدون والمتلقي، خصوصا ما تضمنته مقتضيات المواد 14-15-17 – 19 من هذا المشروع، فإذا أزحنا الغبار من فوق سطور هذه البنود ومقاربتها بمعايير وأسس المنظومة الحقوقية نجدها في عمق المبادئ تمس حق الفرد في تمتعه بحرية التعبير والرأي المكفول بحكم التشريعات والأحكام الدولية، ولذلك على المنظومة المغربية تسطير قوانينها وفقا لهذه القواعد والقيم لكون المغرب منخرط في تعزيز المنظومة الحقوقية الإنسانية لمجتمعه، وتعزيز ملائمتها مع الضمانات الدولية كما هو منصوص في ديباجة الدستور المغربي الذي نص على أن الاتفاقيات الدولية تسمو على الوثائق الوطنية، إذ ينبغي على المشرع المغربي أن يأخذ بعين الاعتبار الطابع الإلزامي لهذه المواثيق فور نشرها نظرا لكونيتها وشرعيتها العالمية.
إذا مسحنا الجدار عن مقتضيات المادة 14 من مشروع قانون 22-20 مثلا، التي تنص على أنه يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامة مالية من 5000 إلى 50000 درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط، من قام عمدا عبر شبكات التواصل الاجتماعي أو شبكات البث المفتوح أو عبر الشبكات المماثلة بالدعوة إلى مقاطعة بعض المنتوجات أو البضائع أو الخدمات أو القيام بالتحريض علانية على ذلك، نجدها في العمق لم تراعي المعايير الدولية التي نصت على ممارسة حرية التعبير المكفولة بموجب الاتفاقيات الدولية كأسمى وثيقة على القوانين الوطنية، إن التعبير عن مقاطعة منتوج أو خدمة لا يضر بالنظام أو المصلحة العامة، بل العكس من أجل تحسين جودة الخدمات والمنتوجات الوطنية، إذا تمت مقاربته  مع المبادئ والضمانات الحقوقية، لأنه في الأخير هو تعبير عن ما نريده في ممارستنا اليومية، وهو حق نتمتع به، وإذا رجعنا لهذا المقتضى نجده قلص من الحقوق وضرب في معادلة تكريس مجتمع ديمقراطي يعزز النهوض بالمنظومة الحقوقية بالبلاد.
وإذا رجعنا لحالة الطوارئ الصحية التي يعيشها المغرب بسبب ما خلفته جائحة فيروس كرونا من تراكم في عدد المصابين الذي قد يصل الأمر بهم إلى فقدان الحياة بسبب فيروس غير مرئي ينهب جسد البشرية، وضرورة التقيد بالإجراءات الوقائية بما فيها الحجر الصحي، هذا بحد ذاته ينقص من حريات الفرد في ممارسته للحياة الطبيعية وحقه في التنقل، وبالرغم من ذلك يبقى الحق في الحياة والتمتع بالصحة هي المصلحة الأولى للمجتمع خلال هذه الظرفية. لكن الخروج بمسودة تقلل من حرية التعبير والرأي كضمانة لممارسة الفرد حقه في التعبير عن أرائه ومعتقداته وعن متطلباته واحتياجاته الحياتية، أمر غير مستحب من المواطن المغربي في جعله صورة بدون خلفية ولا واجهة ذات قناع يكرس التخبط  في صمت بين عواصف الرياح التي تهب بين الحين والأخر وعلى المواطن تقبلها دون السماح له حتى بالتعبير عن رائه.
إن التشنج المثار من مسودة القانون 22-20 جعل من ممارسة هذا الحق مقيد في المنطقة المغربية، خصوصا مع التخبطات الصحية لفيروس كرونا المستجد، جعله غير ملائم لقيم ومبادئ الإنسانية التي كرسها الخالق مند نشوء البشرية، بالرغم من تنصيصها في مجلدات مرجعية تستوفي الاحترام والالتزام بها من قبل دول العالم سواء كان طرف فيها أو غير طرف، فهي ضمانات يتوجب العمل بها وتطبيقها في ممارساتنا للحياة اليومية، لأن حقوق الإنسان ليس فقط بثقافة نتظاهر بها، إنما هي ممارسة وسلوك إنساني نتحلى به في ممارسة حقوقنا وحرياتنا سواء مع أنفسنا أو مع الآخرين، لأن حرية التعبير في الأخير هي ممارسة للحقوق .
وأخيرا وليس أخرا لا يمكن أن نقول بأن الضمانات التي عمل المشرع على تنصيصها في الوثيقة الدستورية كهرم لباقي التنظيمات القانونية المستحدثة، لم تكن كافية وناجعة للحد من انتهاكات التي تطال الإنسانية للتعبير في ممارسة الحقوق، لهذا ينبغي العمل بجد على تجديد الوعي والطاقات البشرية بفكر متجدد ومتحرر بأفكاره وسلوكياته، لأن حقوق الإنسان ليست فقط ثقافة للممارسة السطحية للوصول إلى المبتغى، بل العكس هي مبادئنا وقيمنا التي فقدناها مع مرور الوقت والأجيال، وهذا ما ينبغي على المعنيين التركيز عليه لاسترجاع قيم التسامح والتضامن التي أصبحنا نتحصر عليها، فحقوق الإنسان هي مسار إنساني حقوقي منحها الله وهبها لخلقه ولا يمكن لأي أحد أن يحد منها أو ينقص بها لأنها عالمية وكونية وشمولية وهذا ما يتطلب استيعابه من طرف العقل البشري المسؤول. 
تعليق 1
  1. منى دلوح يقول

    تكريس الضمانات الحقوقية في دستور 2011 ومدى تكييفها؟

    يعتبر الدستور أسمى وثيقة دستورية للدولة، وتعاقد سياسي بين الحاكمين والمحكومين، وهو الركيزة الأساسية لحماية الحقوق والحريات، وعلى هذا الأساس فإن المسألة الدستورية استأثرت في المغرب بأهمية قصوى منذ مشروع دستور 1908، مرورًا بمختلف الدساتير التي عرفتها المملكة المغربية منذ سنة 1962، إلى غاية الخطاب الملكي التاريخي في التاسع من مارس 2011 ذي النقاط السبع، الذي شكل نقلة نوعية في التاريخ السياسي المغربي، هذا الخطاب جاء على ما يبدو تجاوبًا مع مطالب حركة شباب 20 فبراير التي عرفت خلال فترة الثورات الربيع العربي، التي عرفتها المنطقة العربية والمغاربية أنداك.
    لقد جعل الخطاب الملكي في 9 مارس2011 محور حقوق الإنسان من بين أهم المحاور التي استهدفها الإصلاح الدستوري، ويتضح هذا بكل جلاء من خلال مقتضيات الخطاب الملكي الذي ركز على سبعة مرتكزات أساسية، من أهمها؛ ترسيخ دولة الحق والمؤسسات، وتوسيع مجال الحريات الفردية والجماعية، وضمان ممارستها، والعمل على تعزيز منظومة حقوق الإنسان بكل أبعادها، السياسية والاقتصادية، والاجتماعية، والتنموية، والثقافية والبيئية، بالإضافة إلى تعزيز الآليات الدستورية لتأطير المواطنين، مثل تقوية دور الأحزاب السياسية، وربط ممارسة السلطة والمسؤولية العمومية بالمراقبة والمحاسبة، وترسيخ دسترة هيئات الحكومة الجيدة، وحقوق الإنسان، وحماية الحريات.
    ويعد المرتكز المعني بحقوق الإنسان من أهم ما تم تكرسيه من خلال استجابة المشرع الدستوري للمطالب المجتمعية، ويظهر جليًا بكل وضوح من خلال الفصول الواردة في الباب الثاني من الدستور، وعلى مدى أكثر من عشرين فصلاً، وبالضبط من الفصل 19 إلى الفصل 40، إضافة إلى العديد من المقتضيات الأخرى الواردة في ديباجته، وفي مجموعة من الفصول والأبواب الأخرى من الدستور.
    بالرغم من ان طريقة وضع دستور (2011) اختلفت سياقًا ومضمونًا، مما كان له الأثر البالغ على عملية الاصطلاح هذه المرة، لا من حيث الصيغة التي وضع بها، ولا من حيث مضمونه، وهذا ما أصبح يطلق عليه بصك حقيقي للحقوق، ونموذج للدساتير التي يطلق عليها “دساتير الحقوق في الدول المتقدمة”.
    لكن النص على الحقوق والحريات فقط لا يكفي، حيث يمكن أن يعصف بها في أي لحظة وأن تطالها الخروقات والانتهاكات التي تمس الإنسانية، وهذا بحد ذاته لا يمكن أن نعتبره مسارًا حقيقيًا في اعتماد وتطوير المنظومة الحقوقية بالمغرب، التنصيص على حقوق الإنسان في الدساتير والقوانين الوطنية، لا تكفي لأن نقول بأننا دولة متقدمة تمنح الحقوق لمواطنيها؛ لأنه يبقى شعار يستخدم للوصول إلى المبتغى واستغلال الفرص الخارجية.
    رغم أهمية المقتضيات الحقوقية الإنسانية المنصوص عليها في الوثيقة الدستورية لأهميتها في البؤرة السياسية، فإن بعضها لا يخلو من عدة ثغرات، وتعد مدخلاً لعدم احترام وضمان ما ترتبط به من حقوق وحريات، حيث أن ربط سمو الاتفاقيات الدولية على التشريعات الوطنية بكيفية مصادقة المغرب عليها، وبضرورة توافقها على أحكام الدستور وقوانين المملكة والحرية الوطنية، كل ذلك يؤدي إلى طابع الخصوصية على حقوق الإنسان بالمغرب، وهذا يتنافى مع الطابع الكوني والشمولي لحقوق الإنسان، مما يجعل من الضمانات الحقوقية مجرد إعلان نوايا وشعارات تعترضها العديد من الصعوبات على مستوى التطبيق والممارسة.
    حقيقي أنه هناك تكييف وملائمة المعايير والقواعد العالمية لحقوق الإنسان، لكن تبقى نسبية وغير واضحة، خصوصًا أنه ليس هناك موازنة فعلية لهذه المعايير الإنسانية على أرض الواقع، وما تطاله الإنسانية من خروقات ونواقص تحد من تمتع المواطن المغربي من حرياته وحقوقه المتأصلة من الوجود، علاوة على العناية الكبيرة التي أولتها المملكة المغربية في مساطرها وقوانينها الوطنية؛ للنهوض بحماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية في أي زمان ومكان، إلا أنه لا يمكننا القول أننا في مجتمع ديمقراطي مانح كليًا للحقوق والحريات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.